الحداثة وما بعد الحداثة

د. محمد سبيلا

1- الأسس الفلسفية للحداثة

التحولات الفكرية الكبرى للحداثة

مساراتها الإبستمولوجية ودلالاتها الفلسفية

يشكو العديد من الدارسين من غموض معنى الحداثة ومن تعدد وعدم تحدد مدلولاتها. وإذا كان هذا الغموض والالتباس يرجع في جزء منه إما إلى غموض ذهني أو إلى غياب العناء الفكري اللازم أحياناً، أو إلى سوء نية مسبق ضد الحداثة، فإن أحد أسباب هذا الغموض هو كون هذا المفهوم مفهوماً حضارياً شمولياً يطال كافة مستويات الوجود الإنساني حيث يشمل الحداثة التقنية والحداثة الاقتصادية، وأخرى سياسية، وإدارية واجتماعية، وثقافية، وفلسفية، الخ.

مفهوم الحداثة هذا، أقرب ما يكون إلى مفهوم مجرد أو مثال فكري يلم شتات كل هذه المستويات، ويحدد القاسم المشترك الأكبر بينها جميعاً. وبمجرد انتهاج طريق هذا النموذج الفكري المثالي، فإن الدارس يشعر مباشرة بوجود قدر من التعارض بين الحداثة والتحديث. فالمفهوم الأول، يتخذ طابع بنية فكرية جامعة للقسمات المشتركة بين المستويات المذكورة من خلال منظور أقرب ما يكون إلى المنظور البنيوي؛ بينما يكتسي مفهوم التحديث مدلولاً جدلياً وتاريخياً منذ البداية من حيث أنه لا يشير إلى القسمات المشتركة بقدر ما يشير إلى الدينامية التي تقتحم هذه المستويات، وإلى طابعها التحولي.

وعندما يختار المرء الدخول إلى هذا الموضوع من الزاوية الأولى، زاوية الحداثة، فإنه يجد نفسه محكوماً بضرورة الاهتمام بالثوابت والقواسم والسمات المشتركة، متهاملاً الخصوصيات ومظاهر التباين، كما يجد نفسه مدفوعاً إلى عدم التركيز على الوقائع والأحداث والتواريخ والفواصل، مولياً الاهتمام الأكبر للمنحنيات العامة في كل مستوى.

في هذه المحاولة سأحاول؛ قدر الإمكان، التركيز على التحولات الفكرية العامة للحداثة على كافة هذه المستويات، محاولاً الجمع بين المنظور البنيوي الذي يحاول تتبع السمات الأساسية للحداثة، والمنظور التاريخي الذي يحاول متابعة التحولات التدريجية، والانفصالية أحياناً، التي تطال هذه السمات نفسها.

كما سأحاول أيضاً, من خلال تتبع التحولات  الفكرية الكبرى المصاحبة للحداثة، والتمييز قدر الإمكان بين مستويين في هذه التحولات الفكرية: المستوى الإبستمولوجي والمستوى الفلسفي، وذلك على الرغم من تداخل هذين المستويين وتشابكهما إلى حدود كبيرة.

1ـ في المعرفة

تتميز الحداثة بتطوير طرائق وأساليب جديدة في المعرفة قوامها الانتقال التدريجي من ((المعرفة)) التأملية إلى المعرفة التقنية. فالمعرفة التقليدية تتسم بكونها معرفة كيفية، ذاتية وانطباعية وقيمية ـــ فهي أقرب أشكال المعرفة إلى النمط الشعري ـــ الأسطوري القائم على تملي جماليات الأشياء وتقابلاتها وتماثلاتها ومظاهر التناسق الأزلي القائم فيها.

أما المعرفة التقنية فهي نمط من المعرفة قائم على إعمال العقل بمعناه الحسابي، أي معرفة عمادها الملاحظة  والتجريب والصياغة الرياضية والتكميم. النموذج الأمثل لـهذه المعرفة هو العلم أو المعرفة العلمية التي أصبحت نموذج كل معرفة. هذا النمط من المعرفة تقني في أساسه، من حيث أن المعرفة العلمية استجابة للتقنية وخضوع لمتطلباتها. فالتقنية كما أوضح هيدجر ذلك ليست مجرد تطبيق للعلم عبر إرادة الإنسان، بل هي ما يحدد للعلم نمط معرفته المطلوب. فالعلم الحديث علم تقني في جوهره أي خاضع لما تقتضيه التقنية بالدرجة الأولى، أي التكميم منهجاً وطريقة والتحكم والسيطرة غاية. ضمن هذا المنظور للمعرفة، تكتسب مسألة المنهج أهمية قصوى. فالمنهج، من حيث هو تنظيم وتحقيب لعملية المعرفة، وطريقة في التناول تؤدي إلى تحقيق التقدم في المعرفة، وتقود إلى اكتساب القدرة على تملك الأشياء، يقود بالضرورة إلى إضفاء طابع تقني على المعرفة العلمية[1].

إن المعرفة الحداثية معرفة علمية بمعنى أنها معرفة تقنية، أي في خدمة التقنية، وبالتالي فهي معرفة حسابية وكمية وأداتية، همها النجاعة والفعالية، وغايتها السيطرة، الداخلية والخارجية، على الإنسان وعلى الطبيعة، أو بعبارة أدق إنها سيطرة على الطبيعة عبر السيطرة على الإنسان. وارتباط المعرفة بالسيطرة والقوة لا يطال الطبيعة والعلوم الطبيعية وحدها، بل يطال الإنسان والعلوم الإنسانية ذاتها، حين يختلط هم المعرفة والتحرر باستراتيجيات السيطرة.

عقل الحداثة عقل أداتي، والمعرفة الحداثية معرفة تقنية، بمعنى أنها إضفاء للطابع التقني على العلم، لكنها بنفس الوقت ومن حيث هي إضفاء للطابع العلمي على العلوم الإنسانية والاجتماعية على وجه الخصوص، فهي إضفاء للطابع التقني على الثقافة ككل. في هذا السياق تصبح أشكال المعرفة غير المنطبعة بالطابع العلمي، أي بالطابع التقني، أشكالاً دنيا من المعرفة، ومن ثمة الـهجومات المختلفة، ذات النفس الوضعي، التقني، على الفلسفة مثلاً، باعتبارها معرفة متجاوزة. فالمعرفة الحقة هي المعرفة العملية الاختبارية لا النظرية التأملية، إذ أن الممارسة تحوز الأولوية القيمية والابستمولوجية على النظرية[2]. وهذه المعرفة العلمية ـــ التقنية لا تكتفي بالحط من قيمة الأنماط المعرفية الأخرى، بل تطال الفضاء الثقافي كلـه، وتتحول إلى ثقافة وإيديولوجيا، بل إلى ميتافيزيقا أيضاً.يصبح العلم ـــ التقني ثقافة تحل محل الثقافة التقليدية وتكيفها بالتدريج، مؤطرة المجتمع العصري، مزودة إياه بمشاعر الـهوية والانتماء وبمعرفة وأخلاق. كما يتخذ العلم التقني مصدر للشرعية السياسية، أي نواة لإيديولوجيا سياسية. والديمقراطية، كتكنولوجيا سياسية، هي في أحد أوجهها تعبير عن هذا النوع الجديد، الدنيوي، من المشروعية القائمة على العلم كتقنية. بل إن هذا المركب المعرفي الجديد ينتزع بالتدريج صورة ميتافزيقيا، أي تبشيراً بالأمل، ووعداً بالخلاص، ومصدراً واهباً للمعنى.

2ـ في الطبيعة

الحدث الفكري الأساسي في تاريخ الفكر الغربي الحديث، هو نشوء ما اصطلح على تسميته بالعصر العلمي ـــ التقني ابتداء من القرن السابع عشر الميلادي. ويشكل منشأ هذا العصر الجديد تحولاً أساسياً في النظر إلى الطبيعة. وقد كانت هذه الأخيرة في العصور الوسطى نظاماً متكاملاً يتسم بنوع من التناسق الأزلي الذي يعكس الحكمة العلوية المبثوتة في كافة أرجاء الكون والمحققة لمظاهر كمالاته الروحية.

هذا التحول المفصلي في تاريخ علم الطبيعة تمثل في الانتقال من مركزية الأرض إلى مركزية الشمس، مفتتحاً الانتقال الحديث من العالم المغلق إلى الكون اللانهائي. لكن النقطة الجوهرية في هذا التحول هي النظر إلى الطبيعة كامتداد كمي هندسي وحسابي، وهو التحول الذي حدث مع غاليلو.

لقد أصبحت الطبيعة امتداداً Rex extensa متجانس العناصر، لا فرق ولا تميز بين مكوناتها، ولا تخضع لأي تراتب انطولوجي، كما كان الأمر في الفكر القديم والفكر الوسطوي. فالمكان عبارة عن وحدات أو نقط متجانسة، والزمان آنات متجانسة، مما مهد لقبول التصور الرياضي الميكانيكي للطبيعة، وهو التصور الذي يفرغ الطبيعة من أسرارها، لينظر إليها ككم هندسي ممتد، قابل للحساب، وخاضع لقوانين الرياضيات. فنزع الطابع الإحيائي السحري عن الطبيعة هو الوجه الآخر في النظر إليها، من خلال مفاهيم رياضية تعتبر الطبيعة ـــ كما قال غاليلو ـــ كتاباً مفتوحاً، مكتوباً بلغة المثلثات والمربعات والأشكال الـهندسية.

والعلاقات القائمة بين عناصر الطبيعة هي علاقات ميكانيكية وديناميكية خاضعة لقانون العلية. ويشكل هذا القانون نقلة نوعية في فهم العلاقة بين الظواهر، لأنه ينتقل بها من مستوى التفاعلات العضوية المحملة بالأسرار والألغاز إلى تفاعلات القوى والكميات القابلة للرصد والحساب، أي من التصور العضوي والغائي إلى التصور الميكانيكي والديناميكي العلي. والطريف في الأمر هو أن ليبنتس الذي صاغ وطور مبدأ العلة(مبدأ العقلraison Principe de)، قد طور في نفس الوقت تصوراً دينامياً غائياً للمادة والكون، حين اعتبر أن طبيعة الأجسام ليست هي الامتداد بل القوة، أي النزوع والقدرة على الفعل ورد الفعل، كما ساهم في إرساء التصور الرياضي للطبيعة عندما اعتبر أن الله، وهو يمارس الحساب، يخلق أفضل العوالم الممكنة. وهكذا حول العلم الحديث الطبيعة إلى معادلات رياضية وأشكال هندسية، أي إلى هياكل عظمية فارغة كما يقول برترندراسل[3]، أو إلى مجرد مخزن للطاقة منذور لأن يتحول إلى موضوعات قابلة للاستهلاك، كما يقول هيدجر[4].

وقد أبدى العلم الحديث منذ البداية تواضعاً معرفياً جماً، إذ رسم لنفسه حدوداً في فهمه للطبيعة، فهو لم يدع أبداً أنه يسعى إلى فهم الجواهر والأشياء في ذاتها، بل قصر مسعاه منذ البداية على محاولة فهم الظواهر، مركَّزاً على ما هو قابل منها للرصد وللتعبير الكمي. ومن ثمة طغت روح النسبية على أحكامه ونظرياته، بل إن البحث العلمي اتسم في الأغلب الأعم بنزعة مواضعاتية conventionnaliste)) واضحة. فالخطوات والاحتياطات المنهجية التي يلجأ إليها العامل هي نوع من الاختيار القبلي للموضوع، اختيار للمجال الذي يجب أن يظهر فيه الموجود، ولزاوية النظر إليه. فالموجود هنا ـــ بلغة هيدجر ـــ لا يظهر من تلقاء ذاته بل يرغم على الظهور وفق الخطاطات والتصميمات المسبقة وشبكات التأويل التي تخضعه لـها وتدرجه في سياقها[5].

3ـ في الزمن والتاريخ

إذا كان المسار الطويل الذي تدرجت فيه الحداثة في تصورها للطبيعة هو تبين أن كينونة الطبيعة تتمثل في الدينامية والآلية بدل الغائية، فقد وازى هذا التطور، فيما يخص تصور الزمن والتاريخ، تحول فكري قاد إلى إظهار أن كينونة التاريخ تتمثل في الصيرورة، أو بعبارة أخرى فإن تحول الكينونة إلى فعل وصيرورة ابتداء في الطبيعة ثم سرى إلى التاريخ. فقد أصبح التاريخ سيرورة Processus وصيرورة Devenir أي مساراً حتمياً تحكمه وتحدده وتفسره عوامل ملموسة، كالمناخ والحاجات الاقتصادية للناس، أو حروبهم وصراعاتهم من أجل الكسب، وكالصراع العرقي، أو القبلي، أو المذهبي، أو غيره. وبعبارة أخرى فإن غائية التاريخ بدأت تختفي وتتضاءل لصالح الميكانيزمات الداخلية والحتميات المختلفة التي تتدخل في تحديده تحديداً لا تعرف وجهته إلا من خلال مقارنة العوامل الفاعلة فيه. وبعبارة ليوستروس فقد أصبح التاريخ توسطاً بين الواقع والمثال[6]، عبر حركة تطورية مستقيمة الاتجاه. فمثلما نزع العلم عن الطبيعة طابعها السحري والإحيائي، فقد نزعت المعرفة والممارسة الطابع الأسطوري عن التاريخ، بنفي طابعه الغائي، والنظر إليه باعتباره مجرد حركة تطورية مستقيمة، تتحكم فيها عوامل داخلية، قد تكون هي المحددات الاقتصادية (ماركس)، أو التنقية، أو السيكولوجية (فرويد)، أو غيرها.

وقد قاد ربط تطور التاريخ بعوامل تاريخية محددة وملموسة إلى تطور نزعة تاريخانية ترجع كل شيء للتاريخ وتشرطه به، لدرجة أنه تم وسم الحداثة بكونها عبادة للتاريخ (Idolatrie de l` histoire)[7] الذي أصبح هو المصدر أو المنتج الأساسي للمعنى.

وقد واكب التحول في مفهوم التاريخ تحول آخر طال مفهوم الزمن، فقد تمثلت الحداثة للوعي الفلسفي في القرن الثامن عشر مع هيجل، كفترة جديدة جدة راديكالية بالقياس إلى ما سبقها من عصور، وخاصة ابتداء من القرن الخامس عشر، والأحداث الثلاث الكبرى التي راوحت حواليه: اكتشاف العالم الجديد، النهضة الأوربية، والإصلاح الديني. وقد كان هيجل هو أول من طرح قطيعة الحداثة مع الإلـهامات المعيارية للماضي، التي هي غريبة عنها، طرحاً فلسفياً[8].

يتميز زمن الحداثة بأنه زمن كثيف، ضاغط، ومتسارع الأحداث، فهو يعاش كمادة فريدة (denrée rare)[9] تتمركز حول حاضر مشرئب إلى الآتي، فالحاضر هو اللحظة التي يتم فيها انتظار الانتقال المتسارع لمستقبل مختلف كليا. وهذا الحاضر، الذي تمثلـه في نظر هيجل الأنوار والثورة الفرنسية، يمثل ((البزوغ الرائع للشمس)) الذي يقطع مع العالم القديم، وينشؤ عالماً جديداً كلياً.

يبدو إذن أن زمن الحداثة زمن متجه نحو المستقبل الذي يكتسب بالتدريج دلالات يوتوبية، عبر تجربة تتنامى فيها بالتدريج المسافة بين الحاضر والمنتظر؛ وتطغى على قاموسها مصطلحات التطور، والتقدم والتحرر والأزمة[10].

عصر الحداثة هو العصر الذي يختل فيه التوازن بين الماضي والمستقبل؛ فهو العصر الذي يحيا بدلالة المستقبل، وينفتح على الجديد الآتي، وبالتالي لم يعد يستمد قيمته ومعياريته من عصور ماضية، بل يستمد معياريته من ذاته[11]، وذلك عبر تحقيق قطيعة جذرية مع التراث والتقليد.

إذا كان الزمن التقليدي متمحوراً على الماضي، فإنه حتى عندما يشرئب إلى المستقبل، فهو ينظر إليه باعتباره استعادة إسقاطية للماضي في المستقبل، إذ أن الزمن في المنظور التقليدي يتميز بالحضور الكثيف للماضي، وبقدرته على تكييف كل الآنات الأخرى. أما زمن الحداثة فيتسم بالفاصل المتزايد بين ((فضاء التجربة)) و ((أفق الانتظار))، وهو الفاصل الذي لا يني يتزايد باستمرار لدرجة تجعل البعد اليوتوبي مصالباً للمفهوم الحداثي للزمن، لكن الانتظارات والآمال التي يحملـها زمن الحداثة تحمل بشائر المستقبل المنتظر حدوثه داخل خط الزمان نفسه، عبر نقلات كمية أو نوعية لا تقع خارج أفقه. وبذلك يمارس الوعي التاريخي الحداثي استدماجاً مستمراً للانتظارات الكبرى البعيدة المدى، إما عبر التقنية، أو من خلال الإيديولوجيات المحملة بالطوبى. ومن ثمة مجاسدة مفهوم التقدم للمفهوم الحداثي للزمن، مجاسدة كمية وكيفية في نفس الآن. مما يكسب مفهومي التاريخ والزمن من جديد بعداً غائياً، وإن كان تاريخانياً هذه المرة.

يمكن أن نطلق على التصور الجديد للتاريخ والزمن إسم النزعة التاريخانية، وهي النزعة التي تطال ـــ بموازاة تبلور وتغلغل روح الحداثة ـــ كافة مجالات الحياة الإنسانية، وعلى رأسها المجال السياسي الذي تنطلق داخلـه دينامية تمايز تدريجي بين المجالين السياسي والديني، وتتبلور فيه شرعية جديدة، قوامها استمداد السلطة لشرعيتها من الشعب، وتتطور فيه آليات جديدة للحكم قائمة على فكرة التعاقد، والانتخاب، والمراقبة، وفصل السلط، والمشاركة الواسعة في إدارة الشأن السياسي.

4ـ في الإنسان

تميز فكر الحداثة، وثقافة الحداثة، بإيلاء الإنسان قيمة مركزية نظرية وعملية، ففي مجال المعرفة أصبحت ذاتية العقل الإنساني هي المؤسسة لموضوعية الموضوعات[12]. وتم إرجاع كل معرفة إلى الذات المفكرة، أو الشيء المفكر Res Cogitans، أو الكوجيتو[13].

المفارقة الكبرى في تصور فكر الحداثة للإنسان، هي أنه عندما يجعل الإنسان مركزاً مرجعياً للنظر والعمل، وينسب إليه العقل الشفاف، والإرادة الحرة، والفاعلية في المعرفة وفي التاريخ، فهو بنفس الوقت يكشف بجلاء عن مكوناته التحتية، ومحدداته العضوية الغريزية والسيكولوجية، ودوافعه الأولية (الجنس، العدوان، البحث عن الربح، التغذية ...)[14]. وهكذا تلتقي النظرة الحداثية للإنسان، من حيث هي إضفاء صبغة طبيعية على الإنسان بإضفاء صبغة تاريخية على الطبيعة، وإضفاء صبغة طبيعية على التاريخ. والفلسفة، ومعظم العلوم الطبيعية والاجتماعية تنخرط في هذه الحركة، ابتداءاً من الفيزياء الفلكية، إلى الأنثروبولوجيا الإحيائية، إلى الماركسية، إلى التحليل النفسي، إلى العلوم السلوكية المعاصرة.

غير أن هذا التصور العقلاني للإنسان الذي بلوره فكر الحداثة الأوروبية سرعان ما تعرض للمراجعة والنقد، فمقابل هذا التصور العقلاني للإنسان كذات مركزية، عاقلة وعارفة، مريدة وفاعلة، بدأ يبلور خط فكري معاكس، قوامه أن الإنسان ذات مشروخة ومشروطة، غير عارفة بذاتها، وخاضعة لحتمية البنيات المختلفة الاقتصادية والاجتماعية واللسانية والرمزية التي تحدد معاً ذات يداهمها اللاعقل والوهم والمتخيل من كل جانب. لقد أدت الثورات المعرفية الكبرى التي حصلت منذ نهاية القرن الماضي في الفكر الغربي (الثورة اللغوية، الثورة الابستمولوجية، الثورة البنيوية، الثورة التاريخية) إلى فصل معنى عن الوعي، والمعرفة عن اليقين، والمعنى عن التمثل، مبينة أن المعاني لا تصدر عن ذات سيكولوجية، أو ترسندنتالية، وإنما تتولد في اللغة، ومنظومات القرابة، ومختلف المنظومات الرمزية، وأن الذات ليست فاعلاً بقدر ما هي حصيلة مفاعيل[15]. وقد أطلق ريكور على هذا التوجه إسم فلسفة الوجس. غير أن هذه المراجعات لم تمس جوهر التصور الحداثي للإنسان، بل سعت فقط إلى تلطيف وتنسيب عقلانيته ووعيه بذاته وحريته وفاعليته.

الحداثة والفاعل

يمكن أن نميز، فيما يخص فواعل الحداثة بين الفواعل السوسيولوجية، والفواعل الفكرية. الصنف التفسيري الأول نجده لدى ماكس فيبر وكارل ماركس، والصنف الثاني نجد نموذجه لدى بعض الفلاسفة كهيجل وهيدجر.

التفسير السوسيولوجي يرجع نشأة الحداثة إلى الدور الفاعل للمنشأة الرأسمالية، والإدارة البيروقراطية، كمؤسستين عقلانيتين، عقلنت أولاهما العملية الاقتصادية، وعقلنت الثانية نظام تسيير المجتمع. يرى ماكس فيبر أن هناك علاقة داخلية حميمية بين العقلانية والحداثة. وإذا كانت العقلنة قد اتخذت طابعاً مؤسسياً منظماً في الاقتصاد والإدارة، فإنها مع ذلك عملية شاملة اكتسحت المجتمع الغربي كلـه. وقد أدت عملية نزع الطابع السحري عن العالم إلى تفكيك التصورات التقليدية، وتولد ثقافة دهرية من صلب المسيحية نفسها. وفي سياق هذه العملية تطورت العلوم التجريبية، واستقلت الفنون، وتشكلت دوائر الثقافة خاضعة لمعايير داخلية خاصة مرتبة بالممارسة. وبعبارة أخرى، وأخذاً بتأويلات هابرماس لنظرية الحداثة عند فيبر، فإن العقلنة لم تقتصر على إضفاء طابع دنيوي على الثقافة، بل دفعت أساساً إلى تطور المجتمعات الحديثة. لقد تمايزت البنيات الاجتماعية الجديدة، وتباينت المجالات الثقافية متمحورين حول مركزين ناظمين ومنظمين لنمط الحياة الجديدة، وهما المنشأة الرأسمالية، والجهاز البيروقراطي للدولة، اللذين هما مركزان متنافذان من الناحية الوظيفية. وقد اكتسحت الأنشطة العقلانية، بالقياس إلى غاياتها، مجال الاقتصاد والإدارة الحياة اليومية، وأشكال الحياة التقليدية، تلك التي كانت متمحورة حول التنظيمات الحرفية، وفككتها بالتدريج كبنيات وكثقافة[16]. ومن ثمة الأهمية القصوى والحاسمة لكل من الاقتصاد والسياسة في المجتمع الحديث.

يربط ماركس نشأة الحداثة بالرأسمالية كنظام اقتصادي، وبالبورجوازية كقوة بشرية تحديثية، ففي ((البيان الشيوعي)) يكيل ماركس أعظم المدائح للبورجوازية، من حيث إنها ((عندما استولت على السلطة وضعت حداً للعلاقة الإقطاعية والبطركية والعاطفية)). وأدخلت تغيرات ثورية على أدوات وعلاقات الإنتاج، ((فهذه الانقلابات الثورية المستمرة في أساليب الإنتاج، وهذا التزعزع غير المنقطع في النظام الاجتماعي بأسره، وهذا القلق والاضطراب الذائبان، كل ذلك يميز عصر البورجوازية عن العصور السالفة كلـها. إن سائر العلاقات الاجتماعية المتوارثة، الجامدة المتجلدة، وما تجره وراءها من مواكب الأوهام والأفكار القديمة المبجلة تكنس وتندثر، أما التي تحل محلـها فتشيخ ويتقادم عهدها قبل أن يصلب عودها. فكل ما هو صلب يتبخر، وكل ما هو مقدس، يدنس)) بل إن ((البورجوازية تجتاح الكرة الأرضية بأسرها، تحثها الحاجة إلى الأسواق الجديدة دائماً))، لقد أخضعت البورجوازية الريف للمدينة، وخلقت مدنا عظيمة، وزادت بصورة مفرطة سكان المدن على حساب الأرياف، وبذلك انتزعت قسماً كبيراً من السكان من بلاهة حياة الحقول.

وقد خلقت البورجوازية قوى منتجة أكثر عدداً وأعظم جبروتاً، كما خلقت سائر الأجيال. مجتمعة. فقد قامت بإخضاع قوى الطبيعة والآلات وتطبيق الكيمياء على الصناعة والزراعة والملاحة بالبخار، والسكك الحديدية، وبالرق الكهربائي وعمران قارات كاملة، وحفر القنوات للأنهار. وفي عهدها اتحدت مقاطعات بكاملـها، بمصالحها وقوانينها وحكوماتها وتعرفاتها الجمركية المختلفة، واجتمعت في أمة واحدة، وفي مصلحة وطنية وطبقية واحدة، وراء حبل جمركي واحد[17].

وعلى وجه العموم فإن المادية التاريخية ترجع التحولات الاجتماعية إلى التناقض بين علاقات الإنتاج القائمة وقوى الإنتاج الجديدة، إلا أن ماركس في هذا النص من ((البيان)) يسند إلى البورجوازية، بروحها الثورية الإرادية المغامرة، كل التحولات الكبرى التي شهدتها أوربا بالانتقال من النظام الإقطاعي إلى النظام الرأسمالي، مما يجعل موقف ماركس في هذه المسألة مراوحاً بين إيلاء الأولوية في التغيير للعنصر الإرادي البشري أحياناً، وللعوامل البنيوية التقنية والاقتصادية أحياناً أخرى.

هناك نموذج آخر للتفسير مختلف كلياً، نجده لدى كبار الفلاسفة الذين يرجعون التحولات الكبرى في تاريخ المجتمعات، وفي التاريخ البشري عامة، إلى تحولات فكرية وفلسفية. فهيدجر يرى أن المصارات التاريخية لثقافة ما، أو لمجتمع ما، يحدده مسبقاً فهم كل ما يمكن أن يحصل في العالم، وهو الفهم الذي يلزم ويوجه كل مجموعة بشرية إلزاماً وتوجيهاً ضمنياً، أشبه ما يكون بحتمية قدرية مضمرة. وهذا الفهم المسبق تتضمنه الميتافزيقا، فهي التي ((تؤسس عصراً، وتمنحه من خلال تأويل محدد للموجود، ومفهوم معين عن الحقيقة مبدأ تشكلـه الأساسي)). وهذا قانون فلسفي يشمل كل العصور ((فكيفما كانت الطريقة التي يتم بها تأويل الموجود، سواء كروح بالمعنى الوارد لدى النزعة الروحية، أو كمادة وقوة بالمعنى الوارد لدى الاتجاه المادي، أو كصيرورة وحياة، أو كتمثل، أو كإرادة، أو كقوام جوهري(substance)، أو كذات فاعلة، أو كطاقة، أو كعود أبدى لذات الشيء، فإن الموجود يظهر كموجود على ضوء الوجود[18])). وهذه الفكرة نجدها متداولة في الفلسفة الألمانية منذ هيجل، الذي كان قد اعتبر تاريخ الفلسفة مفتاحاً لفلسفة التاريخ، كما أن تاريخ الغرب الحديث، حسب هيدجر، يجسد أساسه في تاريخ الميتافيزيقا الغربية، التي تشكل ((التاريخ المخفي للغرب))[19].

وحتى إذا كان من العسير، من خلال المنظور الـهيدجري، أن نرجع نشأة الحداثة إلى ((فاعل))، لأن الأمر عنده يتعلق بتحولات قدرية في معنى الموجود، وتصور الحقيقة، أكثر مما يتعلق بفعل فاعل، فإن من الممكن، من باب المجاز، اعتبار ديكارت (وكذا ليبنتس) هو بطل الحداثة ورائدها، على الرغم من أن هيدجر يتتبع جذور نشأة العقلانية الحديثة إلى التحول الذي حدث مع أفلاطون، والذي تجسد في الانتقال من الفيريس إلى الايدوس، ففلسفة ديكارت تجسد هذا التحول الكبير الذي دشن مطلع العصور الحديثة، وجعل الذات ((مركزاً ومرجعاً للموجود بما هو كذلك. وذلك لم يكن ممكناً إلا بشرط تحول معنى الوجود كلياً (...) إذ أصبح ينظر إلى الموجود في كليته على أنه لا يوجد حقاً، ولا يكون موجوداً إلا إذا كان محط تمثل وإنتاج (...)، وأصبح يبحث عن وجود الموجود، ويعبر عنه في الوجود المتمثل للموجود[20])).

يربط هيدجر إذن نشأة الحداثة بالحدث الفلسفي، المتمثل في جعل الذات مركزاً ومرجعاً. لكن مضمون هذه الذات المرجعية هو العقل والإرادة، هو كونها عقلاً حاسباً وحسابياً بالمعنى اللاتيني لكلمة Ratio. هذا العقل الحسابي ـــ الأداتي ـــ حسب تسمية رواد مدرسة فرنكفورت، يجد تعبيره في العلم كمنظور حسابي وكمي للأشياء المدركة والقابلة للاستعمال[21]، وفي التقنية كتحريض للطبيعة وإرغام لـها على أن تسلم طاقتها وتكشف أسرارها.

يبدو من خلال استعراض المواقف المختلفة من مسألة فواعل الحداثة أنه حتى وإن اختلفت الفئات ومن ثمة المؤسسات التي يكل إليها المفكرون دور مولد أو محرك للحداثة (الرأسماليون، الإداريون، المثقفون، الساسة، العسكر، الخ.) فإنه يكاد يكون هناك نوع من الإجماع على تبلور ثقافة عقلانية، شكلت الأرضية الفكرية والإيديولوجية الحافزة على انطلاق مخاض الحداثة.

السمات الفلسفية

ترتبط الحداثة بمبدأ الذاتية. وهذا المفهوم متعدد الدلالات، فهو يشكل مضمون ما سمي بالنزعة الإنسانية. ومن ثمة فهو يعني مركزية ومرجعية الذات الإنسانية، وفاعليتها وحريتها وشفافيتها وعقلانيتها. كان هذا المفهوم يحيل لدى هيجل على دلالات أخرى، يوجزها هابرماس في أربع دلالات ملازمة:

1ـــ الفردانية، وتعني أن الفرادة الخاصة جداً هي التي لـها الحق في إعطاء قيمة لادعاءاتها.

2ـــ الحق في النقد، ويعني أن مبدأ العالم الحديث يتطلب أن على كل فرد أن يتقبل فقط ما يبدو مبرَّراً ومقنعاً.

3ـــ استقلالية الفعل، فمن خصائص العصور الحديثة تهيؤها لتقبل ما يفعلـه الأفراد والاستجابة لـه.

4ـــ الفلسفة التأملية ذاتها، فمن خصائص العصور الحديثة كذلك عند هيجل، أن الفلسفة تدرك الفكرة التي تحتاز وعياً بذاتها[22].

يرى هيجل أن مبدأ الذاتية هذا بدلالاته المختلفة قد فرضته الأحداث التاريخية الكبرى: الإصلاح الديني، والأنوار، والثورة الفرنسية، فمع الإصلاح البروتستاني لدى لوثر أصبح الإيمان الديني مرتبطاً بالتفكير الشخصي، وكأن العالم القدسي قد أصبح واقعاً مرتبطاً بقرارنا الشخصي، فهذا الإصلاح قام على التأكيد على سيادة الذات، وأبرز قدرتها على التمييز والاختيار، باعتباره حقاً من حقوقها، في حين كان الإيمان التقليدي قائماً على ضرورة الأتباع والخضوع للقوة الآمرة للتراث والتقليد. كما أن الثورة الفرنسية، وإعلان مبادئ حقوق الإنسان، قد فرضت مبدأ حرية الاختيار، بمقابل الحق التاريخي المفروض، كقاعدة أساسية للدولة[23].

هكذا أصبح مبدأ الذاتية مبدأ محدداً في كل مجالات الفعل، ومحدداً في كل أشكال الثقافة الحديثة، فالحق والأخلاق أصبحا قائمين على الإرادة الحالية الحاضرة للإنسان، في حين أنها كانت من قبل مدونة ومملاة على الفرد. كما أصبحت الذاتية أساس المعرفة العلمية، التي تكشف أسرار الطبيعة بقدر ما تحرر الذات العارفة. والطبيعة تصبح جملة قوانين شفافة ومعروفة من طرف الذات.

وعلى وجه العموم فإن الحياة الدينية، والدولة، والمجتمع، وكذا العلم، والأخلاق، والفن، تبدو جميعاً كتجسيد لمبدأ الذاتية. هذا المبدأ الذي يظهر كذاتية مجردة في الكوجيتو الديكارتي، أو الوعي الذاتي المطلق لدى كنط[24].

ومن زاوية أخرى فإنه يمكن القول بأن الأنشطة المعرفية في مجال العلم والأخلاق والفن، كانت قد تمايزت واستقلت معاييرها الداخلية، كما أن دائرة المعرفة كما يقول هيجل، قد تمايزت عن دائرة الإيمان، وكل هذه الدوائر ظلت بمثابة تعبير عن مبدأ الذاتية[25].

السمة الأساسية الملازمة للذاتية هي العقلانية، بمعنى إخضاع كل شيء لقدرة العقل، التي هي بحث دؤوب عن الأسباب والعلل، ومن ثمة الارتباط الحميم لمبدأ السبب أو العلة بمبدأ العقل                 (Principe de raison). وهذا المبدأ عبر عنه لأول مرة ليبنتس في الصيغة التي لا تقول لا شيء بدون علة، وبفضلـه يصبح كل من الواقع الطبيعي، والواقع التاريخي معقولاً، أو عقلانياً (أو قابلاً للتفسير) بالنسبة للذات[26]، هكذا يصبح كل شيء مفحوصاً ومفهوماً، بل محكوماً من طرف العقل. وعبره يتحقق الإنسان من سيادته النظرية على العالم، الذي يغدو شفافاً وخالياً من الأسرار[27].

هذه العقلانية الحسابية الصارمة، أو الأداتية، سواء في مجال المعرفة العلمية والتقنية أو في مجال الإدارة والتسيير هي شكل من أشكال السيطرة والقوة، ومن ثمة ارتباط العقلانية بالسيطرة، سواء تعلق الأمر بالسيطرة الكوكبية للتقنية المنفلتة من عقالـها، أو بالنزعة الكليانية السياسية. إن العقلانية الأداتية سيطرت على الطبيعة عبر السيطرة على الإنسان، وسيطرت على هذا الأخير عبر السيطرة على الطبيعة بواسطة التقنية، فالحداثة في عمقها مشروع تندغم فيه بصورة رفيعة إرادة الـهيمنة بإرادة التحرر.

ترتبط بالعقلانية الأداتية وما ينتج عنها من سيطرة، سمة فلسفية أخرى أساسية تسم العصور الحديثة، وهي غياب المعنى[28]، وانتفاء المقاصد الغائية الكبرى التي كانت تشد وتزين العالم التقليدي، فنتيجة اكتساح ثقافة الحداثة لكل القطاعات الاجتماعية، وعقلنتها لكل مستويات الوجود الاجتماعي، هي خسوف المعاني الكبرى، أو بتعبير ماكس فيبر افتقاد العالم لسحره (ENTZAUBERUNG) ورغم أن هيدجر يستعمل مصطلحاً آخر (Gotterung Ent) للتعبير عن نفس الفكرة، فإنه يحمل في النهاية هذه السمة في لفظ العدمية، ويعني بها افتقاد القيم العليا لقيمتها، وغياب الأهداف الكبرى، وانعدام الجواب عن السؤال البسيط لماذا؟[29] والعدم المعنيُّ هنا حركة تاريخية أصيلة، وليست رأياً لـهذا الفرد أو ذاك، وليس حتى ظاهرة تاريخية بين ظواهر أخرى، بل هو بالأحرى، في جوهره، الحركة الأساسية في تاريخ الغرب الحديث[30]. وغياب المعنى، الملازم للعصور الحديثة، ليس سمة منعزلة، بل هو الوجه الآخر لانتصاب الذاتية معيارا، ولظفر العقلانية الأداتية التي تشكل ((عالماً مروضاً))، ولانفلات العلم التقني، وتحولـه إلى أداة سيطرة على الطبيعة والإنسان، لدرجة يبدو معها أن ((غياب المعنى ناتج عن الطابع النهائي الحاسم لبداية الميتافيزيقا الحديثة))[31].

ولعل النعوت التي تطلق على عصرنا هذا، عصر الموضة، عصر الفراغ، عصر التفاهة والـهشاشة (La médiocrité, l ephemére) تعكس صدى هذه السمات المتحدث عنها، والتي وازت في نشأتها تبلور مفهوم الحداثة نفسه، كما نجد ذلك لدى الشاعر الفرنسي بودلير، الذي يعرف ((الحداثة بأنها ما هو عابر، وفرار fugitif، وعارض contingent...)).إلا أن هذا الفراغ الناتج عن غياب المعاني الكبرى غالباً ما ((يتم ملؤه باستكشاف تاريخي وسيكولوجي للأساطير))[32]، وباستثمار أقانيم جديدة، كالإيديولوجيات اليوتوبية الكبرى الواعدة بالسعادة والحرية والمساواة، والأبطال الجماهيريين لـهذا العصر في مختلف المجالات، كأبطال الرياضة، والسياسة، والسينما، والغناء، والموضة.

الحداثة ومفعولاتها أو الحداثة والتقليد

تتميز الحداثة بأنها تحول جذري على كافة المستويات: في المعرفة، في فهم الإنسان، في تصور الطبيعة، وفي معنى التاريخ. إنها بنية فكرية كلية. وهذه البنية عندما تلامس بينة اجتماعية وثقافية تقليدية فإنها تصدمها، وتكتسحها بالتدريج، ممارسة عليها ضربا من التفكيك، ورفع القدسية.

تستخدم الحداثة أساليب رهيبة في الانتشار والاكتساح، فهي تنتقل كالجائحة في الفضاءات الثقافية الأخرى، إما بالإغراء والإغواء، عبر النماذج، والموضة، والإعلام، أو عبر الانتقال المباشر، من خلال التوسع الاقتصادي، أو الاحتلال الاستعماري، أو الغزو الإعلامي بمختلف أشكالـه، إلى غير ذلك من القنوات والوسائل.

وعندما تصطدم الحداثة بمنظومة تقليدية فإنها تولد تمزقات، وتخلق تشوهات ذهنية، ومعرفية، وسلوكية، ومؤسسية كبيرة، وتخلق حالة فصام وجداني، ومعرفي، ووجودي معمم. وذلك بسبب اختلاف وصلابة المنظومتين معاً. فللتقليد صلابته، وأساليبه في المقاومة والصمود أمام الانتشار الكاسح للحداثة، وطرائقه في التكيف معها، ومحاولة احتوائها؛ كما أن للحداثة قدراتها الخاصة على اكتساح وتفكيك المنظومات التقليدية، وأساليبها في ترويض التقليد، ومحاولة احتوائه، أو استدماجه، أو إفراغه من محتواه. فالصراع بين المنظومتين صراع معقد وشرس، بل قاتل. وقد سبق لي أن تحدثت في مكان آخر عن العلاقة الاستعارية بين التقليد والحداثة، فكثيراً ما يتلبس التقليد لبوس الحداثة، ليتمكن من التكيف والاستمرار، بينما تتلبس الحداثة بالتقليد أحياناً، لتتمكن من أن تنفذ وتفرض نفسها. وهذا التزاوج نشهده في كافة مستويات الكل الاجتماعي، نشهده في التلاقح بين منظومتي القيم، وفي المستوى الإدراكي، والسلوك الفردي، في المعرفة، في الاقتصاد، وفي السياسة. ففي المجال السياسي مثلاً يحصل تمازج بين مصدرين للشرعية السياسية: الشرعية التقليدية المستمدة من الماضي، والتراث والأجداد، والشرعية المؤسسية العصرية، القائمة على أن الشعب هو مصدر السلط. وهذا التمازج والاختلاط يطال الخطاب السياسي والإيديولوجي، والسلوكات السياسية، ويطبع المؤسسات السياسية، والثقافة السياسية، برمتها. وهو على الرغم من كل مظاهر التعايش تمازج صراعي في عمقه.

هذه الحالة البينية هي حالة طويلة الأمد، إذ أنها لا تحسم بتحويل إرادي للمؤسسات أو للمنظومات القانونية بل عبر تحولات ثقافية بعيدة المدى. وانتقال منظومة ثقافية تقليدية إلى الحداثة هو في الغالب انتقال عسير، مليء بالصدمات الكوسمولوجية، والجراح البيولوجية، أو الخدوش السيكولوجية للإنسان، وكذا بالتمزقات العقدية، لأنه يمر عبر ((قناة النار))، أي عبر مطهر العقل الحديث والنقد الحديث.


الوعي الفلسفي بالحداثة

1ـ كنط والحداثة

لم تشرع الحداثة الغربية في تلمس الوعي بذاتها إلا بعد انصرام ما يقارب ثلاثة قرون على انطلاق ديناميتها في أوربا الغربية منذ مطلع القرن الخامس عشر. فقد انطلقت حركة الحداثة (التي هي التسمية الفكرية لمسمى تاريخي تحقيبي متداول هو: العصور الحديثة) مع الأحداث التاريخية الكبرى، (اكتشاف العالم الجديد من طرف كريستوف كولومبوس سنة1492، وسقوط بيزنطة          1453...) وأحداث علمية وتقنية هامة (اكتشاف الطباعة مع غوتنبرغ سنة 1440، وفلكيات كوبرنيقوس 1526، واكتشاف الدورة الدموية...) وأحداث فكرية محددة (النهضة الفنية في إيطاليا، وأطروحات مارتن لوثر الاحتجاجية سنة 1517، وظهور كتاب ((مقال في المنهج)) لديكارت سنة 1637...).

هذه الأحداث التي يأخذ بعضها برقاب بعض، ضمن دينامية كلية لم تتوقف مسيرتها المتزايدة السرعة، ابتداء من القرن الخامس عشر الميلادي، شكلت العلامات البارزة لسيرورة حضارية لم تنته أشواطها الكبرى إلى الآن، فما تزال الحداثة تشكل الأفق المنظور للعالم الحديث، حتى ضمن ما يدعى بما بعد الحداثة، الذي لا يعدو أن يكون مرحلة ثانية من مراحل الحداثة، مرحلة ضاعفت فيها هذه الأخيرة سرعتها وعمقت منطقها.

إذا كان الوعي الفلسفي بالحداثة يعود بدون جدال إلى هيجل، فإن البراعم الأولى لـهذا الوعي، وإن بصورة غير واضحة، يعود إلى فيلسوفين آخرين، أولـهما ديكارت الذي ارتبط، عبر الكوجيتو، بانطلاق دينامية الفكر الحديث، مقدماً الأساس الصلب لفكر الحداثة، وثانيهما كنط، الذي يعتبره البعض مفكر الحداثة وبؤرتها ومرآتها، بينما يعتبر آخرون أنه يشكل ردة بالقياس إلى ديكارت، وثورة كوبرنيكية مضادة.

لقد ظلت فلسفة كنط محط تأويلات مختلفة، فقد شهدت الساحة الفلسفية في ألمانيا وفرنسا بالخصوص موجات من الكنطية الجديدة، تبلورت في ألمانيا عبر مدرستين كبيرتين: مدرسة ماربورج، ومدرسة هيدلبرغ. ركزت المدرسة الأولى على الإبستمولوجيا، والعلم، ونقد كنط للميتافيزيقا في حين ارتبط أتباع المدرسة الثانية بالفلسفة الحيوية المعادية للعلوم الطبيعية، والمناوئة لعقلانية عصر التنوير، ولمحاولات فهم حياة الإنسان فهماً علمياً[33].

تبين التأويلات المسايرة لمدرسة ماربورج بأن كنط قد عمل على التوفيق بين التفسير الميكانيكي للطبيعة والتفسير الغائي، فهو. على غرار ليبنتس، يقيم نظام الكون على الغائية،  لكنه لا يذهب إلى حد المغالاة الليبنتسية المتمثلة في مفهوم التناسق الأزلي، إذ يرى أن القوانين الكلية المتحكمة في الطبيعة تعمل بالضرورة والفطرة في انسجام مع النظام الكوني، دون أن تخرج عن سياقها الغائي. وهكذا عمل كنط على التوفيق بين الفكر الطبيعي المدرسي، وفكر الطبيعة الحديث عن طريق إثبات القوانين الميكانيكية الكامنة في الطبيعة، معارضاً النزعات والاتجاهات المدرسية، لكنه بنفس الوقت يقر بوجود عقل كلي ناظم للقوانين الميكانيكية التي تحكم المادة، وتحقق لـها الانسجام والوحدة والإطراد، وتحميها من الصدفة والعبث[34].

فوكو: كنط عتبة الحداثة

وعلى النقيض من هوسرل الذي يرفض أن يرى في             الكنطية عتبة الحداثة، من حيث أن إشكاليتها تماثل إشكالية                 ديكارت وترتكز عليها، فإن هيدجر يعتبر كنط مؤسس أو رائد                        (L` instigateur) الحداثة الفلسفية، فالمحدودية الأساسية للكائن البشري، التي تولدها وتعكسها معرفة الظواهر عن طريق الحدس الحسي لا الحدس العقلي، تمحو المعرفة التمثيلية المميزة للعصر الكلاسيكي لصالح مدلول التمثيل[35].

يقتفي فوكو أثر هذا التحليل الـهيدجري تقريباً، معتبراً كنط ((عتبة حداثتنا)). فهو الفيلسوف الذي سيجعل الفلسفة تهتم بالإنسان، لأن عتبة الحداثة لا تتجسد في اللحظة التي تم الاتجاه فيها إلى دراسة الإنسان دراسة موضوعية, بل عندما أصبح الإنسان وحدة تتشكل من عنصرين: التجريبي، والمتعالي، وهي القسمة التي ظهرت مع كنط، ومهدت لظهور الإنسان كموضوع على سطح المعرفة[36].

إلا أن فوكو يتناول حداثة كنط من زاوية أخرى هي علاقته بالتنوير، وذلك من خلال تحليل نصه الشهير: ما هو عصر التنوير؟ يكتسي هذا النص أهمية مزدوجة بالنسبة لفوكو:

أولاً: من حيث انتماؤه إلى مجال خاص من القضايا التي تعالجها الفلسفة، وهو مجال التاريخ والأحداث. فهو يتناول هذا الحدث التاريخي محاولاً أن يفهم قيمته وتأثيره على الأحداث اللاحقة لـه. ومن ثمة فإن هذا المقال يعكس وعي الفيلسوف بالعصر الذي ينتمي إليه, وبالأحداث التي ستغير وجه ووجهة التاريخ.

ثانياً: أهمية هذا النص بالنسبة لمشكلة الحاضر وسؤال الحاضر.

يلاحظ فوكو أن كنط كتب حول التاريخ، لكن نص ((ما هو عصر التنوير؟)) نص متميز من حيث أنه لا يبحث في مسألة أصل التاريخ، أو مشكلة التقدم، بل هو نص يطرح سؤال الحاضر، ومسألة الآن أو الراهن، مقحماً على السؤال حول التنوير سؤالاً آخر في غاية الأهمية هو ((هل نحن نعيش الآن قرناً مستنيراً؟))، محاولاً استبانة تميز العصر الراهن عما سبقه من عصور، مما يجعلـه ربما أول فيلسوف يتخذ من عصره وحاضره موضوعاً للتفكير. الجديد لدى كنط هو أن الفكر لم يعد مكتفياً باتخاذ موقف من الفكر السابق بالقبول أو الرفض، ولم يعد يقتصر على التساؤل عما إذا كان القدماء أفضل من المحدثين أو العكس، بل أخذ يطرح مسألة الراهنية[37].

لكن فوكو يرى أيضاً أننا لا يمكن أن نفصل سؤال التنوير عن سؤال آخر، يتبين فيه أن ما كان يهم كنط ليس الثورة في حد ذاتها، بل الآثار المتبقية في أذهان الناس الذين لم يعيشوا مخاضها. ما كان يهم كنط هو الإصلاح الفكري والثقافي، وتمكين جمهور المواطنين من قسط من الحرية يسمح لـهم بأن يفكروا بتلقائية، فالثورة والتنوير أحداث لا يمكن أن تنسى، لأنهما يطبعان عصر كنط، ويمثلان حضوراً وراهنية لا يمكن التغاضي عنها. إن هذين السؤالين فيما يرى فوكو ((ما فتئنا يترددان على جزء كبير من الفلسفة منذ القرن 19 إن لم نقل على كل الفلسفة الحديثة)). إن هذين السؤالين يحددان ويوجهان مجال التساؤل الفلسفي عن هوية وجودنا في الآنية التي نعيش فيها[38].

بهذين السؤالين إذن يكون كنط قد مهد لفلسفة تهتم بأنطولوجيا الحاضر، التي حضرت بقوة في الفكر الألماني من هيجل إلى نيتشه إلى ماكس فيبر وهيدجر.

وهكذا فإن كنط يمثل في نظر فوكو ((عتبة حداثتنا)) سواء من المنظور الأنثروبولوجي، أو من المنظور الأركيولوجي، أو من حيث الكتابة عن تاريخ الحاضر. وهذا ما دفع البعض إلى القول بأن كنط يمثل في نظر فوكو نقطة التقاء العديد من مسارات الحداثة وروافدها، بل نقطة التقاء صراعاتها ومخاضاتها  الفكرية المختلفة، وكأنها حداثات متقاطعة لا مجرد حداثة واحدة[39].

هابرماس: الفلسفة الكنطية مرآة الحداثة

يذكر هابرماس أن هيجل يرى أن ماهية العالم الحديث تتركز               (se concentre) في فلسفة كنط التي هي بؤرة (Foyer) هذا العالم، ونوع من التأويل الذاتي لـه (Auto exégése)[40]، وأن عصر الأنوار الذي جعل من العقل صنماً يعبد، ينعكس ويتبلور (culmine) في فلسفة كنط[41].

إلا أن هابرماس يعود إلى التأكيد بأن كنط ((لم يفهم الحداثة كما هي، وإن كان معماره الفكري قد عبر عن العالم الحديث، فالسمات الأساسية لـهذا العصر تنعكس (se reflétent) على الفلسفة الكنطية كما لو كانت مرآة)).

إن أساس فلسفة كنط هو فلسفة الذات والتأمل  (Philosophie de la réflexion)، فهذه الفلسفة هي القاعدة الفلسفية التي أقام عليها كنط أنماط النقد الثلاثة التي شكلت البنية العامة لفلسفته، منصباً العقل النقدي محكمة عليا يتعين أن يخضع لحكمها وقرارها كل شيء، ولا يستمد صلاحيته إلا منها. قوام هذه الذاتية الفلسفية هي الذاتية المجردة، كما عبر عنها الكوجيتو الديكارتي، والوعي المطلق بالذات عند كنط، وتعني علاقة الذات العارفة بنفسها، من حيث أنها تنكب على ذاتها كموضوع، من أجل إدراك ذاتها، وكأنها أمام صورة مرآوية، أي بصورة انعكاسية[42].

أول مظاهر الانعكاس هو استبدال كنط للمفهوم الجوهري الموحد للعقل، وهو المفهوم المتوارث عن التراث الميتافيزيقي السابق، بعقل مقسم إلى عناصر، لا تقوم بينها إلا وحد صورية. فكنط يفصل بين ملكات ثلاث، أي بين العقل العملي، والحكم الجمالي، والمعرفة النظرية، مرسياً كل واحدة منها على أساس خاص. ومن حيث أن العقل النقدي يقدم أساس إمكانية المعرفة النظرية، والحكم الأخلاقي، والتقييم الجمالي، فإنه لا يكتفي بالتأكد من ملكاته الذاتية، ولا بإبراز البنية المعمارية للعقل، بل يريد أن يلعب دور الحكم أو القاضي الأعلى تجاه مظاهر ومكونات الثقافة كلـها. وبذلك تصبح الفلسفة هي الراسم لحدود دوائر الثقافة برمتها، كالعلم والتقنية، وكالقانون والأخلاق، ومثل الفن والنقد الجمالي، وفق معايير صورية، مضفية المشروعية عليها داخل هذه الحدود.

كانت هذه النشاطات المعرفية (العلم، الأخلاق، الفن) قد شرعت في تحقيق قدر من التمايز والاستقلال الذاتي (إبستمولوجيا ومؤسسيا) ابتداء من نهاية القرن الثامن عشر، فمن الزاوية المعرفية بدأت كل من هذه الفروع المعرفية تطرح على نفسها مسألة الصلاحية والصدقية، بصورة مستقلة، انطلاقاً من إشكالات خاصة، ومن معايير خاصة. هكذا بدأت هذه الفروع المعرفية تطرح على نفسها المسائل المتعلقة بالحقيقة في مجال المعرفة، وبالعدل في مجال الأخلاق والقانون، وبالذوق في مجال الجماليات.

وهذه التمايزات الابستمولوجية والفلسفية بين الأنشطة المعرفية قد حدثت وتبلورت على أرضية دينامية أعم، تمثلت في تمايز واستقلال دائرة المعرفة عن دائرة الاعتقاد[43](وهو التمايز الذي أشار إليه هيجل في دراسة لـه بعنوان ((المعرفة والإيمان))).

دينامية هذه التمايزات المعرفية، التي كانت قد تبلورت في نهاية القرن الثامن عشر، هي مظهر أساسي من دينامية مظاهر الحداثة، وذلك وفق المنظور الفكري لماكس فيبر (M.Weber) الذي ينطلق منه هابرماس كقاعدة فكرية لتحليل دينامية الحداثة.

يرى ماكس فيبر أن هناك علاقة داخلية حميمية وتلقائية بين الحداثة والعقلنة (Rationalité)، فعلمية نزع الطابع السحري عن العالم، التي تفتتت وتفككت معها التصورات التقليدية القديمة للعالم، ولدت بنفس الوقت، ثقافة دنيوية وفق سيرورة عقلية. وهكذا استقلت العلوم التجريبية الحديثة، والفنون، والنظريات الأخلاقية. والقانونية، القائمة على أساس مبادئ شكلت دوائر من القيم الثقافية، مكنت من إقامة ممارسات تحكمها مشروعيات داخلية، خاصة بالإشكاليات النظرية، والجمالية، والعملية الأخلاقية[44].

جوهر عملية التحديث عند ماكس فيبر هي عملية العقلنة، التي طالت المجتمع والثقافة الحديثين. ووجها العقلنة هما: علمنة الثقافة الغربية الحديثة، وتنمية وتطوير المجتمع الغربي الحديث. وقد تميزت البنيات الاجتماعية الجديدة، المتولدة عن دينامية التحديث والعقلنة، بتمايز منظومتين، تبلورتا حول محورين، أو نواتين تنظيميتين، هما: المنشأة الرأسمالية، والجهاز البيروقراطي للدولة. وهذه العقلنة، في وجهيها الاجتماعي والثقافي، تغزو كافة مناحي الحياة اليومية ذاتها، وتفتت أشكال الحياة التقليدية ذاتها، حيث تفقد هذه الأخيرة تلقائيتها الطبيعية، وتخلي الساحة لمعايير عقلانية حسابية شمولية صارمة، قوامها الفردانية وحرية الاختيار[45].

ويرى هابرماس أن هذه الدينامية من التمايزات والاستقلالات، التي اعتبرها فيبر جوهر عملية التحديث، قد وجدت صدى وامتدادات لـها في فلسفة كنط. لكن هذا الأخير، في نظر هابرماس، لم يع أبداً هذه التمايزات، التي قسمت العقل، كشروخ وانفصالات    (Scissions). لقد انعكست على فلسفته، لكنه لم يفهم أساسها العميق. وهكذا ظل كنط، في نظر هابرماس، يجهل الحاجة التي ظهرت على إثر الانفصالات التي فرضها مبدأ الذاتية، أي الحاجة التي فرضت نفسها على الفلسفة، الحاجة إلى التفكير في الحداثة كفترة تعي انفصالـها عن الماضي، وعن نماذجه، ولتستقي معاييرها الخاصة من ذاتها، ولتكتسب مشروعيتها من نفسها[46].

إلا أن الطريف في الأمر هو أنه إذا كان هابرماس يعتبر فلسفة كنط مرآة لدينامية الحداثة، دون أن يكون قد فهم جوهرها وآليتها، فإنه من زاوية أخرى، وفي موضع آخر، يعتبر هذه الفلسفة هي المنطلق الأول البعيد لما بعد الحداثة. فتمييز كنط بين العقل             (Raison) والذهن (أو الفهم أو الفاهمة) (Entendement) هو، فيما يرى هابرماس، منطلق نقد التصور الذاتي الصرف للعقل، أي نقد للعقل الأداتي، وللعقل البارد والمتشيء. وهذا يدلنا على مدى التبكير في نقد الأشكال القمعية للعقل، وخصوصاً عندما يكون العقل محصوراً ببعد واحد، أي بعد التشييء البارد والموضوعاتي، أو بعد التلاعب الأداتي بالطبيعة وبالبشر. وهكذا يعتبر هابرماس أن النقد الذاتي للعقل وللذاتية، الذي اعتبر بمثابة الشيء الجديد كلياً عند نيتشه، كان في الواقع موجوداً منذ لحظة كنط[47].

لوك فيري (L. Ferry): كنط مفكر الحداثة

ينسب الفيلسوف الفرنسي المعاصر لوك فيري نفسه، باعتزاز، إلى الكنطية الجديدة، مؤكداً على راهنية فكر كنط، وعلى ما يسميه باللحظة الكنطية، التي تتلخص في نظره في إسهامين رئيسيين طبعاً الفكر الغربي منذ تلك اللحظة إلى الآن، وهما: العلمانية الفلسفية، ومسألة الذاتية.

بالنسبة للنقطة الأولى يبين لوك فيري، أن ((نقد العقل الخالص)) يتضمن قلباً جذرياً للعلاقة بين المتناهي واللامتناهي، وهي النقطة التي التقطها هيدجر بكامل الوضوح. فكتاب ((نقد العقل الخالص)) وضع نظرية في التناهي، سوف تضفي طابع النسبية على المطلق، فالفلسفة الغربية للقرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين كانت تنظر إلى التناهي انطلاقاً من المتناهي، المنطلق هو الكائن المطلق بالمقارنة مع الإنسان ككائن ناقص ومتناهي. وهذا هو المسار الذي سلكه كل من ديكارت وسبينوزا وليبنتز، حيث يوجد المطلق أولاً، ثم يظهر الإنسان ككائن محدود، متناه، ناقص، وهو ما يعبر عن نفسه بالجهالة، والحساسية، والموت والخطيئة...

وإذا كان كنط ـــ فيما يرى لوك فيري ـــ هو الذي دشن فضاء الفكر العلماني في الغرب، وهو الفضاء الذي ما يزال سارياً وسائداً في أوربا والغرب عامة، والذي يؤطر ويوجه الفكر الأوربي عامة، فلأنه قد قلب العلاقة السابقة، مبتدئاً بالتناهي والمحدودية، كمنطلق أنتروبولوجيا ومعرفيا. وذاك هو المعنى الأساسي ((للحساسية المتعالية))، التي لم تعد علامة على التناهي، الذي يجب أن يتجاوز بالاتحاد مع نوع من الحدس العقلي المتعالي، بل هي علاقة على الانعطاء الثابت للموضوع.

أما الإسهام الثاني الأساسي لكنط فيتمثل في أن كنط هو الذي دشن نقد الذاتية الميتافيزيقية، هذا النقد الذي ازدهر مع نيتشه، وجعل الفلسفة الحديثة تدور حولـه بدرجات متفاوتة[48].

يتبين إذن أنه ليس من اليسير تقديم موقف حاسم ونهائي لمسألة علاقة كنط بالحداثة ولمدى وعيه بها.

فبعض الدارسين يرى أن ((الثورة الكوبرنيقية)) التي ادعى كنط القيام بها هي في الواقع ((ثورة كوبرنيقية مضادة))، لأن اتجاه الثورة الكوبرنيقية الأصلية كان نحو الواقعية، في حين أن اتجاه الثورة الكوبرنيقية الكنطية المزعومة كان نحو المثالية[49]، وأن فلسفة كنط هي ارتداد عن فلسفة ديكارت[50] بينما يعتبره البعض الآخر رائد الحداثة[51]، ومفكر الحداثة، أو يعتبر فلسفة ((بؤرة)) العالم الحديث.

إلا أنه من الضروري الإشارة إلى أن هذه المواقف والتحليلات التي تنسب إلى كنط نوعاً من الريادة في الحداثة، مواقف متفاوتة في تأكيدها لدرجة حداثية فلسفة كنط، بل إن بعضها يستعمل مصطلح الحداثة استعمالاً خاصاً. وهذا هو الحال بالنسبة لفوكو الذي يستعمل الحداثة (((حداثتنا))) بمعنى خاص، أي بمعنى إبيستيمي الحداثة، وهو الإبيستيمي الذي ظهر بين نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر, والذي تميز بانبثاق الإنسان كذات فاعلة وكموضوع للمعرفة. والمعنى المسند للحداثة هنا معنى إبستيمولوجي في الدرجة الأولى, ويرتبط بظهور العلوم الإنسانية بالخصوص. وهذا بالتأكيد معنى خاص للحداثة.

أما هابرماس فيدرج فلسفة كنط ضمن مخاض الحداثة، باعتبارها عصراً كان في طور الانفلات النهائي من كل الإيحاءات المعيارية لنماذج الماضي، وبصدد إعداد مشروعيته الخاصة، واستمداد معياريته وضماناته الخاصة من ذاته. فهذه الانفلاتات والانبثاقات ولدت تمايزات واستقلالات على مستوى المؤسسات والبنيات الاجتماعية، وعلى مستوى الثقافة (علم، أخلاق، فن...) التقليدية المهيمنة، مضموناً ولغة، مما جعلـها منطلق دينامية حداثة فكرية لم تتوقف عن التجدد، حول قضايا: التناهي، والعلمانية، والذاتية، والعقل، والنقد، هذا بالإضافة إلى تقديمها للأساس الإبستمولوجي لمشروعية المعرفة العلمية، وتشخيصها لجوهر فكر الأنوار، من حيث أنه ثورة ضد التراث والتقليد, ونقدها للعديد من المعتقدات المسيحية (ألوهية المسيح، عقيدة التثليث، عقيدتا الفداء والصلب، عقيدة ملكوت المعجزات...)[52]، ومحاولة إقحام مضمون عقلاني في العديد من العقائد المسيحية، ومحاولة تأسيس الدين على الأخلاق.

2ـ الوعي الفلسفي بالحداثة بين هيجل وهيدجر

أول مفكر تحقق لديه وعي واضح بالروابط العميقة بين الأحداث، الكبرى المدشنة للحداثة، واستشعر جدتها الكلية بالقياس إلى ما سبقها، وفطن إلى الدلالة الفلسفية المشتركة بين أحداث متناثرة ومتنافرة هو هيجل (Hegel).

فالحداثة كما يقول هابرماس لم تع ذاتها فلسفياً، وبشكل صريح وواضح، إلا مع هيجل، إذ استعمل هذا الأخير مصطلح ((العصور الحديثة)) استعمالاً خاصاً، يتميز عن المفهوم الزمني المتداول لدى المؤرخين، والذي يشير إلى مجرد حقبة أخرى من حقب التاريخ، وفق التصنيف التاريخي المتداول: عصور قديمة، عصور وسطى، عصور حديثة.

فالعصور الحديثة في منظور هيجل، هي عصور جديدة كل الجدة، عصور مختلفة نوعياً عما سبقها. العصور الحديثة بهذا المعنى تصف الحاضر على أنه فترة انتقال تستنفذ ذاتها في الوعي، بالتسارع من جهة، وفي انتظار وتوقع مستقبل مختلف نوعياً عن الحاضر، وجذرياً عن الماضي.

في مقدمة كتاب ((فينومينولوجيا الروح))، يصف هيجل الزمن الذي يعيش فيه بأنه ((زمن ميلاد وانتقال نحو حقبة جديدة، فقد قطعت الروح مع ما كانه العالم إلى حد الآن، في وجوده وتمثلـه. إن هذا الزمن الآن هو في طور إغراق كل ذلك في الماضي، كما أنه يعمل الآن على تمثلـه. إن القلق الذي يداهم ما ظل باقياً إلى حد الآن، والإحساس الغامض (بقدوم) شيء مجهول، هي العلامات المبشرة بأن شيئاً آخر (مختلفاً) يتهيأ. إن هذا الانفتات... يقطعه بزوغ الشمس التي تحاول، في رمشة عين، ودفعة واحدة، أن تقيم صرح العالم الجديد))[53].

كان هيجل ـــ فيما يرى هابرماس ـــ هو أول من طرح مسألة قطيعة الحداثة مع الإيحاءات والإلـهامات المعيارية للماضي التي هي غريبة عنها، في صيغة مشكل فلسفي[54]. ففي نهاية القرن الثامن عشر بدأت الحداثة تطرح على نفسها مشكلة العثور في ذاتها على مشروعيتها الخاصة، أو أن تستمد، بلغة هابرماس، ضمانتها من ذاتها. وقد اتخذت هذه المسألة صورة حادة لدى هيجل حيث تناولـها كمشكل فلسفي، بل كمشكل أساسي في فلسفته. فبسبب غياب نماذج سابقة جاهزة، وجدت الحداثة نفسها,مرغمة على أن تجد توازنها، انطلاقاً من القطائع والانقطاعات التي أحدثتها هي ذاتها، وهي الانقطاعات التي نتجت عنها اختلالات ولدت قلقاً اعتبره هيجل مصدر الحاجة إلى الفلسفة. وذلك من حيث أن الفلسفة بدأت ترى ذاتها، ابتداء من ذلك الوقت، مكلفة بترجمة عصرها وزمنها إلى أفكار[55]. بل إن هيجل كان مقتنعاً تماماً بأنه يستحيل التوصل إلى المفهوم الذي تدرك به الفلسفة ذاتها خارج مفهوم الحداثة[56].

إذن تبين أن سؤال الحداثة ليس مجرد سؤال من بين عدة أسئلة يتعين على الفلسفة أن تطرحه على نفسها، بل ربما كان هو السؤال المركزي، سؤال الأسئلة الذي يطرحه العصر على نفسه من خلال الفلسفة، ليفهم ذاته، ويعرف ماهيته ومعناه، ويستشرف مآلـه.

فالامتياز الثقافي الذي تحظى به الفلسفة، وما يحدد إمكانياتها هو قدرتها على التفكير الشمولي في مشاكل عصرها، وفي تصورها وتمثلـها، وخاصة عندما تبلغ الاختلالات ذروتها. يقول هيجل: ((عندما تختفي القوة التوحيدية من حياة الناس، وعندما تكتسب التعارضات ـــ التي فقدت علاقتها الحية وفعلـها المتبادل ـــ استقلالـها، آنذاك تولد الحاجة إلى الفلسفة. وبهذا المعنى فإن هذه الحاجة هي شيء عارض، لكنه، من زاوية الانفصام الذي وقع، أمر ضروري لإلغاء التعارض بين الذاتية والموضوعية))[57].

يتحدث هيجل عن تعارضات (oppositions) وعن انفصامات scissions)) وعن شروخ ملازمة للحداثة.ويعني بها جملة التمزقات التي أصابت، مع إهلال الحداثة، كلاً من الواقع والوعي، وتتمثل في:

ـــــ انقسام العقل على نفسه كما تعكس ذلك معمارية العقل في فلسفة كنط؛

ـــــ التعارض بين العقل والحياة؛

ـــــ غياب الوحدة الروحية التي كان يؤمنها الوعي الديني؛

ــ استقلالات وتمايزات داخل دائرة الثقافة (استقلال العلوم والمعارف)؛

ـــــ استقلال دائرة المعرفة عن دائرة الإيمان؛

ــــ حاجة العصور الحديثة إلى المصالحة مع نفسها، خاصة وأنها تقوم على الجدة المطلقة، والانفصال الجذري عن الماضي وقيمه ومعاييره[58].

ولعل أهم هذه الاختلالات تتمثل في علاقة الماضي بالحاضر. هذا الأخير هو عصر جديد كلياً، عصر دخل في قطيعة مع كل النماذج المستوحاة من الماضي، عصر لا يستطيع أن يستند إلا إلى ذاته، ولا يستطيع أن يستمد توجهاته المستقبلية إلا من ذاته. هذه العلاقة المتوترة مع الماضي هي إرث أنواره تعكسه المصطلحات المتداولة في القرن التاسع عشر، والتي داولتها فلسفة الأنوار، مثل: الأزمة، التطور، التحرر، الثورة... إنها فترة تحاول أن تستمد مشروعيتها من ذاتها عبر تأكيدها على القطيعة التي تفصلـها جذرياً عن الماضي.

إن المشكل الأساسي الذي يقود التفكير الـهيجلي في مسألة الحداثة هو التفكير في أية شروط أو ظروف يمكن للمجتمعات الحديثة أن تحافظ على هوية خاصة بها، هوية ليست استمراراً لمحددات الماضي.

وهنا يسند هيجل للفلسفة دوراً متميزاً في تشخيص التمزقات، وفي استخلاص المبدأ المولد لـها، وفي الوعي بمختلف الديناميات الفكرية والتاريخية التي أنتجتها وفوق ذلك مصالحة الحداثة مع ذاتها، لأن الفلسفة ((هي المكان الذي يمكن أن يتجلى فيه العقل كقدرة مطلقة على التوحيد))[59].

بعد ذلك يخطو هيجل خطوة أخرى في محاولة تشخيص الماهية الفلسفية للحداثة مبرزا أنها تتمثل بشكل أساسي في الذاتية ببعديها الأساسيين: الحرية، والفكر. إن ((ما يجعل عصرنا عصراً عظيماً ـــ كما يقول هيجل ـــ هو الاعتراف بالحرية، وبملكية الفكر)). عناصر هذه الذاتية ـــ كما يقوم بتفكيكها هابرماس ـــ هي:

ـــ النزعة الفردية؛

ـــ الحق في النقد وإعمال العقل؛

ـــ استقلالية الفعل البشري؛

ـــ الفلسفة المثالية[60].

كان لـهيجل إذن فضل استشفاف المعالم الأولى للتحولات التاريخية المرافقة للحداثة، وفضل محاولة استخلاص أساسها الفلسفي، مستشعر أن البشرية قد دخلت مع العصور الحديثة عهداً جديداً أنجز قطيعة جذرية مع الماضي، معلناً عن ((بزوغ جديد ورائع للشمس)) قوامه الفلسفي الحرية والذاتية، كما تبلورت في بلورة الأحداث التاريخية الكبرى الفاصلة بين العصور الوسطى والعصور الحديثة. في هذا التشخيص بعكس أصداء كنطية وأنوارية واضحة، لأن هذه الأخيرة مثلت ثورة التجديد على التقليد، وثورة النقد العقلي ضد الحكم المسبق، وخروجاً من حالة القصور إلى حالة الثقة بالنفس والاعتماد على الذات (كنط).

هيدجر: ميتافزيقا الحداثة

من الشائع أن الحداثة ضد الميتافيزيقيا، لكن هيدجر ينظر إلى الحداثة من حيث هي حمالة لمشروع ميتافيزيقي، أي من حيث هي في ذاتها ميتافيزقا. الحداثة عصر من عصور العالم، عصر ميتافيزيقي يتحدد بموقفه من الكائن، وبتصوره للحقيقة.

تتميز الحداثة، من منظور هيدجر بخمس ظواهر ثقافية أساسية، تسم العصور الحديثة كلـها هذه السمات، هي:

1ـــ العلم، باعتباره بحثاً، وإسقاطا التصورات قبلية على الطبيعة بغية إدراكها رياضياً.

2ـــ التقنية الممكنة من حيث أنها هي جوهر العلم ذاته.

3ـــ دخول الفن في أفق علم الجمال، أي تحولـه من كونه انعكاساً لنظام العالم إلى كونه تعبيراً عن الذات الإنسانية وانعكاساً للذوق.

4ـــ النظر إلى الأفعال الإنسانية باعتبارها تعبيراً عن ثقافة أو حضارة.

5ـــ غياب المقدس وحضور التاريخ.

لكن هيدجر يفرد للتقنية مكاناً متميزاً لدرجة أنها تبدو وكأنها هي ماهية الحداثة ذاتها.

فالتقنية ليست هي التطبيق العملي للعلم، بل إن العلم الحديث في جوهره تقني، أي خاضع للمتطلبات والمقتضيات النظرية والعملية للتقنية. كما أن ما يميزه هو اندراجه ضمن مشروع كبير هو ((المشروع الرياضي للطبيعة))، وهو المشروع الذي كانت نواته الأولى هي فكرة، غاليلو، عندما أكد سنة 1623بأن الطبيعة تتحدث لغة الأرضية، أي لغة المثلثات والمربعات والعلاقات الرياضية.

والمشروع الرياضي للطبيعة يقوم على عملية إسقاط قبلي لتصميم أو مخطط وحيد ينبغي أن تخضع لـه كل الظواهر حتى تصبح جزءاً من الطبيعة. يتخذ هذا المخطط صورة سلسلة من المسلمات، تحدد منذ البدء ما يجب أن تكون عليه الأشياء وعلاقاتها المتبادلة حتى تصبح قابلة للمعالجة العلمية.بل حتى تصبح جزءاً من الطبيعة، وتكتسب حق الانتماء إليها. هذا المخطط القبلي عبارة عن سلسلة مسلمات تحدد بشكل مسبق ما يجب أن تكون عليه الأشياء وعلاقاتها المتبادلة، وهي مسلمات تصادر على أنه ليس هناك إلا نمط واحد للحركة هو الحركة الموضعية، وأن اتجاهات المكان كلـها متعادلة ومتساوية من حيث قيمتها، وبأن كل لحظات الزمن متكافئة، وأن القوة تتحدد بمفعولـها، الخ[61].

بواسطة هذا المخطط يصبح من الممكن استعمال الرياضيات في الفيزياء، وبهدف ضبط التحديدات الكمية في الظواهر،            تاركاً وراءه ما لا يمكن الإحاطة به (L` incontournable, Das Unumgagliche)، لأن قوام العلم هو الفكر الحاسب لا الفكر المتأمل.

إن العلم إذن تقني في جوهره. والتقنية هي إطار الحداثة، بل هي جوهر الحداثة ذاتها، لدرجة أن فهم الحداثة يتطلب التأمل في ماهية التقنية، من حيث هي العنصر المحدد لـها تحديداً شاملاً.

إلا أن التقنية، كما يتحدث عنها هيدجر، ليست فقط هي الأشياء والمخترعات التقنية والآلات التقنية، بقدر ما هي ذلك الموقف التقني La Position technique، لأن ماهية التقنية ليست شيئاً تقنياً بل هي موقف وميتافيزيقيا، أي نمط لعلاقة الإنسان بالأشياء المحيطة به. وعندها نقول بأن عصرنا هذا عصر تقني، فليس لأنه حافل بالآلات والتقنيات، بل على العكس من ذلك فإن الأشياء التقنية ذاتها تأخذ دلالتها من الماهية التقنية للعصر.

وما يميز التقنية الحديثة عن التقنيات القديمة، هو انقلاب العلاقة بين الإنسان ومصنوعاته التقنية. كانت التقنيات القديمة جملة أدوات في يد الإنسان، يتحكم فيها، يستعملـها كما يشاء، ويوجهها كما يشاء. لكن التقنية الحديثة، بفعل ضخامتها، وهيلولة قدراتها، أخذت تبدو بمثابة شيء مستقل عن الإنسان، وخارج قدرته في التحكم والتوجيه. لقد أصبحت التقنية الحديثة مجموع قدرات ضخمة، وقوى هائلة، تخضع لمنطقها الداخلي، وتتطور بفعل حاجاتها هي، لا وفق رغبة الإنسان، بل إنها باستمرار بالانفلات النهائي من قبضته، بل بالإرتداد عليه.

لقد حولت التقنية الإنسان إلى لعبة بين يديها، لعبة قابلة للتسخير، مثلما حولته إلى ((بهيمة شغل))، وقذفت به في عالم كل ما فيه تقني(Technocosme)، قالبة رأساً على عقب علاقة الإنسان بالكائن عامة، وعلاقته بماهيته ذاتها على وجه الخصوص[62].

لم تعد التقنية الحديثة كما كانت التقنية في الماضي، شيئاً في مكنة الإنسان وتحت تصرفه، وذلك لأنها اليوم أمر يدعو الطبيعة ويستحثها على أن تسلم الطاقات الكامنة فيها، بحيث يتم استخلاص الخيرات والطاقات، والقوى الكامنة فيها مع تناسيها والنظر إليها على أنها مجرد مستودع أو مخزن.

لقد أبدى هيدجر يوماً، حسب رواية بوفريه، تعجباً ممزوجاً بالانبهار والرهبة والإعجاب تجاه الزر الكهربائي[63]، الذي يجلب، بحركة أقرب ما تكون إلى السحر، الضوء ويكشفه، في الوقت الذي أصبحت فيه هذه الحركة مجرد روتين يومي بسيط وعادي. وذلك لأن كلاً من العلم والتقنية يشتركان، لا فقط في كون العلم تقنياً في جوهره وخاضعاً كلياً لأقدار التقنية ومخططاتها، بل يشتركان كذلك في أنهما معاً يتخذان من الطبيعة موقفاً جديداً، لا موقف المتأمل المتملي لجمالات وكمالات الطبيعة، ولنسبها وتحولاتها، بل موقف المسائل المحرض، المحقق مع الطبيعة والحافز لـها على أن تسلم كل أسرارها، وأن تقدم مفاتيحها وطاقاتها وقدراتها. فالعلم ـــ التقني ـــ يقوم أولاً بمهمة الكشف والاستكشاف، ثم يرغم الطبيعة على تسليم خيراتها وطاقاتها وقواها، ثم يقوم باستغلال ما أنتجته الطبيعة بتحويلـه ومراكمته وتخزينه، واستهلاكه، ليعود من جديد إلى تحقيق دورة الإنتاج من بدايتها، وهكذا.

هذا الموقف يتضمن مرحلتين أو خطوتين: التحريض النظري المتمثل في إخضاع ظواهر الطبيعة لمعايير مفهومية. ومنهجية، هي بمثابة قوالب تجعل الظواهر قابلة للانخراط فيما يسميه العلم بظواهر الطبيعة، ومن ثمة القيمة الأولية والمثلى التي يوليها العلم للمنهج كتأسيس ذاتي للمعرفة وللحقيقة. التحريض النظري هو إرغام الطبيعة على الخضوع للمخطط القبلي المهيأ من طرف العلم، وإعداد شبكات مفهومية منهجية، يقصد بها تهيئة نظرة موضوعية، تمكن من حساب الظواهر، وقياس كمياتها، وإحصاء علاقاتها.

أما التحريض العملي فهو إرغام الطبيعة على تسليم خيراتها وأسرارها من أجل تحويلـها إلى قوى وقدرات. وهذا ما هيأ للانتقال من فترة الموضوعية إلى عصر الجاهزية Disponibilité الذي شكل نواة عصر الاستهلاك والمجتمع الاستهلاكي، إذ تم تحويل كل شيء إلى ((مادة للاستهلاك)) والاستعمال، بما في ذلك تحويل العلاقة بين الإنسان والأشياء إلى علاقة استعمالية وأداتية بالدرجة الأولى، لدرجة أن الأشياء لم تعد تستمد قيمتها من ذاتها، بل من الاستعمالات والمنافع التي تدرها، محولة الأداتية، وقابلية الاستعمال، والنجاعة، والمردودية إلى معايير أساسية لتقييم أي شيء. وقد رافق هذه التحولات نوع من التسوية بين الأشياء، ونوع من المجانسة المطلقة، وإلغاء الفوارق المختلفة، والخصوصيات الحميمية. إذ فقدت الفرادة والتميز حظوتهما، وأصبح كل شيء قابلاً للاستعاضة والاستبدال، لدرجة أن ما أصبح يحدد الأشياء هو قابليتها للاستبدال، معنى أن يكون الشيء في العصر الحديث هو أن يكون قابلاً للاستبدال. وذاك هو الأساس الأول للموضة والإشهار والإعلام الحديث، كما بين ذلك هيدجر في إحدى ندواته الجامعية الأخيرة[64].

كل هذه المعطيات تبين، عبر زوايا نظر مختلفة، أن التقنية تكاد تكون خاضعة لنوع من القدرية الذاتية الخاصة، التي لا سلطة للإنسان عليها. فما يحكمها هو ضرورة الانكشاف المستمر، والتطور الذاتي الذائب، والاستزادة المستمرة للقوة والقدرة. وكأن إرادة القوة التي تحكم التقنية وتوجهها كقدر داخلي، هي في النهاية ((إرادة إرادة))، أي إرادة قوة ليس لـها من هدف غير ذاتها، أي عبر امتلاك المزيد من القوة والقدرة. إن الإنسان الحديث، الخاضع كلياً لأقدار التقنية ((يراكم من أجل المراكمة، وينتج من أجل الإنتاج، ويختزن من أجل الاختزان، دون أن تكون المراكمة، والإنتاج، والتخزين استجابة لحاجات فعلية. إن التقنية تولد بذاتها الحاجات التي ستمكنها من تضخيم سيطرتها))[65].

المظهر الأقوى الذي تتجلى فيه قوة التقنية هو السيطرة السياسية، فسيطرة التقنية هي، من زاوية معينة، إحدى أوجه السيطرة السياسية، مثلما أن السيطرة السياسية ترتكز بالدرجة الأولى على ما تمدها به التقنية من مكتشفات، وأدوات مراقبة، وتنصت والسرعة في توصيل الأوامر، وتجنيد الجيوش، بالإضافة إلى تطويرها لأدوات السيطرة النفسية والفكرية والإيديولوجية. إن التقنية هي أساس النزعة الكليانية الحديثة Totalitarisme، من حيث أنها هي التي أنتجت التكنولوجيات العسكرية والبوليسية القادرة على التحكم عن بعد، والقادرة على مراقبة حركات وسكنات بل خلجات الناس.

تتميز تحليلات هيدجر للحداثة عن سابقاتها بمحاولتها استكشاف الماهية الفلسفية بل الميتافيزيقية للحداثة، وبتفكيكها بعيداً عن كل تحليل سوسيولوجي، أو اقتصادي ظرفي أو غيره، أولاً لأن هذه الأصناف من التحليلات تظل خاضعة للفهم التجزيئي، وثانياً لأن تحليلات العلوم الإنسانية هي تحليلات تقنية، ومن ثمة فهي غير قادرة على الخروج عن نطاق التقنية، وعلى فهم ماهية الحداثة، بل إنها إحدى تجليات روح التقنية التي تسكن الحداثة.

يمكن أن نستخلص من الظواهر الخمس التي تحدث عنها هيدجر، باعتبارها ظواهر واسمة للحداثة (العلم، التقنية، ذاتية الفن، انتفاء الطابع القدسي، الثقافة والحضارة) عدة مظاهر للسيطرة يمكن إجمالـها في:

ـــ العقلانية النسقية حيث يتم البحث عن العلة والسبب بالنسبة لكل كائن؛

ـــ ميتافيزيقا الذاتية حيث تصبح الذات هي الأساس والنموذج بالنسبة لكل كائن؛

ــ السيطرة الكوكبية للتقنية المنفلتة من عقالـها كمجموعة قوى تحاول الاستقلال عن الإنسان والتحكم فيه مثلما يتحكم فيها؛

ــ الكليانية الاجتماعية ـــ الاقتصادية ـــ السياسية التي يتم بواسطتها استنفاذ واستنهاك الكائن بطريقة محسوبة بيروقراطية ومنظمة، بحيث تغدو عملية لا حدود ولا نهاية لـها. إنها ((التعبئة الكلية)) لكافة       القوى والموارد، بما في ذلك ((الموارد البشرية)) ذاتها، إن لم تكن أولاها[66].

يندغم في تحليلات هيدجر بشكل رفيع تشخيص الجوهر الفكري والفلسفي للحداثة مع التفكيك النقدي لمكوناتها، لدرجة توحي معها بأن خطابه الفلسفي يتجه إلى نقد الحداثة بل إلى رفضها، وهو الشيء الذي نفاه هيدجر مراراً، مبيناً أنه لا يدعو إلى الارتداد عن الحداثة، أو العودة الرومانسية إلى الطبيعة، والتخلي عن الآلة، بل فقط إلى تبيين مخاطر التقنية المتمثلة لا في التقنية ذاتها، بل في ماهيتها التي تحكم بصورة مزدوجة علاقة الإنسان بالكائن والكينونة، وعلاقته بماهيته ذاتها.

إن النغمة النقدية الملحوظة في تحليلات هيدجر[67]، وفي كتابات رواد مدرسة فرانكفورت ترتبط من جهة بـــ ((الثقافة النقدية))                      (Kulturkritisch)، وهي الثقافة المتداولة في الفكر الألماني منذ الثلاثينيات، والتي يندرج في إطارها فلاسفة ومفكرون ثوريون محافظون من أمثال إرنست يونجر Junger، وإزوالد سبنجل، وكلاجسKlages،وماكس شلرScheler، وليوبولدزيغلرZiegler L.، وآخرون. لـهذا التيار ارتباط بسياق آخر هو سياق فلسفة الحياة Lebensphilosophie التي تلح على وجود تعارض قوي بين الروح والعقل، أدى إلى انتصار العقل على الروح[68], والتي كانت سائدة بقوة في الوسط الثقافي الألماني بين الحربين.

كانت مسألة الحداثة موضوعاً أساسياً ضمن نقاش المفكرين الألمان، حول ما أسماه هوسرل ((بأزمة الإنسانية الأوربية))، وقد عاب هيدجر على هؤلاء أنهم لم يطرحوا هذه المسألة طرحاً ميتافيزيقياً، أي من زاوية مسألة الكينونة، فظلوا بذلك أسارى فلسفة القيم لأنهم ((تصوروا الأزمة التاريخية المعاصرة على أنها أزمة تتعارض فيها ((رؤى العالم)) أو أزمة تعارض قيم. ولذلك فإن جهودهم الفكرية في نظره إنما هي علامة إضافية على الأزمة، لأنهم أشاعوا الفكرة المبسطة والسطحية القائلة بأن بالإمكان تخطي هذه الأزمة عن طريق تبني منظومات عقدية جديدة))[69].

كان النقاش حول الحداثة، والصراع بين نزعة الحداثة                           (Modernisme) والنزعة المضادة للحداثة (Antimodernisme)، قد اندلع في ألمانيا منذ أوائل القرن بشكل حاد، منذ نشر الرسالة البابوية التي أعلنت الحرب ضد نزعات الحداثة سنة 1907. فالمناهضون للحداثة كانوا يودون الدفاع عن التقليد والتراث، وعن عقائد الكنيسة، وعن مبدأ التراتب الوظيفي داخلـها. وقد رأى فيهم خصومهم المشايعون للحداثة أنهم يقعون ضمن مؤامرة يقوم بها أناس ظليون مناهضون للروح العلمية الصاعدة ولفكر الأنوار، وللنزعات العقلية، وللنزعة الإنسانية وأفكار التقدم[70].

كان هذا النقاش الحاد حول التقنية، وبالتالي حول الحداثة، نقاشاً عمومياً في ألمانيا، وهذا هو السياق الذي تدخل فيه هيدجر، إلا أنه لم يذكر من المفكرين الألمان الذين شاركوا في النقاش إلا إسماً واحداً هو إرنست يونجر، وأشار مرة بالتلميح إلى شبنجلر بقولـه أنه لا يريد التباكي على الحضارة التقنية الحديثة بصيغة جنائزية، كما فعل البعض في إشارة إلى شبنجلر في كتابه ((انحطاط الغرب)).

وقد تميز تدخل هيدجر بطابعه الفلسفي، وبمحاولته إبراز الخلفيات والأسس الميتافيزيقية الضمنية للتقنية والحداثة، والتي يرجع ويختزل جذرها الفلسفي في الذاتية كعقل وإرادة، وفي النزعة العدمية. لكن هوسرل نفسه ـــ أستاذ هيدجر ـــ كان قد سبق إلى تناول أزمة الوعي الأوروبي في كتاب ((أزمة العلوم الأوربية والفينومينولوجيا المتعالية))[71]. وفيه يعالج هوسرل أزمة الوعي الأوربي، التي هي في نظره أزمة معنى وتوجه، ناتجة عن سيادة النزعة الموضوعية وتصورها الضيق للعمل. الفكرة الأساسية للنزعة الموضوعية الحديثة، هي اعتبار أن العالم  العلمي، أي العالم الذي ينشؤه العلم، كما تعبر عنه وتمثلـه القوانين والنظريات والعلاقات الرياضية، والذي يتميز بدقته وموضعيته، والذي تم إنشاؤه بفعل الممارسة العلمية، هو العالم الحقيقي، رغم أنه ليس في الأصل سوى بناء نظري رياضي، تم إنتاجه بفضل الممارسة العلمية، بينما يعتبر عالم العيش والحياة اليومية مجرد تعبير تقريبي، ذاتي، نسبي، يشوه العالم ((الحقيقي)).

تعود أزمة الثقافة الأوربية، حسب هوسرل إلى نسيان عالم العيش، وسيادة التأويل الموضوعي للعمل، لأن النقد الذي يوجهه هوسرل للعلوم الحديثة لا يتضمن موقفاً عدائياً منها، بل إنه يعبر في أكثر من مرة عن إعجابه بمنجزاتها واكتشافاتها الـهائلة. كما أنه لم ينتقد التقنية، ولم يشر إلى سلبياتها، بل إلى خطورة الطابع التقني الذي يسود العلوم الحديثة.

ومن مظاهر هذه الأزمة أن النزعة الموضوعية تضع أسئلة المعنى والغاية، والحرية والمسؤولية، خارج نطاق العلم، ولا تدخل في          إطار مشاغلـه[72].

رأينا أن الفلسفة الغربية، من خلال بعض النماذج، قد انشغلت بمسألة الحداثة والتقنية، وما ارتبط بهما من قضايا،كالعقل، والمعنى، والعدمية، والذاتية، وغيرها من القضايا، وكيف أن التفكير الفلسفي في هذه المسائل كان استجابة لحاجات تاريخية ملموسة، وهي التفكير في ماهية الحداثة والتقنية، في دلالتهما وآثارهما المختلفة، وكيف أن الشروخ والاختلالات المختلفة التي أحدثتها الحداثة قد ولدت حاجة إلى التفكير الشمولي في هذه التحولات دعاها هيجل بالحاجة إلى الفلسفة.

إذا كانت الفلسفة الألمانية قد اهتمت من خلال ممثليها الكبار منذ كنط، وهيجل، ونيتشه، وفيبر، وهيدجر، وهابرماس بالتفكير في مسألة الحداثة، فقد تميز هذا التفكير في المراحل الأولى بمحاولة فهم ماهية الحداثة، وبمحاولة استخلاص أسسها الفلسفية.لكن سرعان ما ارتبطت محاولة تشخيص الماهية الفلسفية للحداثة بالنقد الفلسفي لـها. وقد دشن نيتشه هذا التقليد الفلسفي الذي اندغم فيه التشخيص بالنقد، وخاصة بالتركيز على نقد العقلانية الصارمة، والنزعة الأداتية، التشيؤ، والاستلاب، وسيادة العدمية، والكليانية السياسية، وانعدام المعنى والغاية. إذ تبين هؤلاء الفلاسفة أن الوعود التي قدمتها الحداثة الغربية، ممثلة في فكر الأنوار، لم تحقق كل ما بشرت به، ولم تفِ بكل الانتظارات المعقودة عليها، بل ولدت ظواهر سلبية، كالنزعة التشيئية العقلانية الأداتية الصارمة، والكليانية السياسية، وانعدام المعنى، وغياب الغايات القصوى.

وهذا ما جعل هؤلاء الفلاسفة يضعون الحداثة، والأنوار ذاتها موضع تساؤل نقدي. ولعل هذا هو ما يفسر النغمة الانتقادية في تشخيصات نيتشه وهيدجر، وأصحاب مدرسة فرانكفورت الذين أدانوا لا عقلانية مجتمع طافح بالعقلانية. إذ بين هؤلاء أن الحداثة ليست فقط هي السعادة، وتحقق اليوتوبيا، وتعمم التقدم التقني، والعدالة السياسية، والديمقراطية، بل هي أيضاً الاعتقال والتحكم والسيطرة على الإنسان من خلال السيطرة على الطبيعة. هذا بينما انبرى هابرماس إلى الدفاع عن الحداثة والأنوار ضد كل التشكيكات، معتبراً أن الحداثة ما تزال واعدة، وأنها مشروع لم يكتمل بعد.

الفلسفة المغربية ومسألة الحداثة

نقصد بالفلسفة المغربية مجموع الانشغالات الفكرية للمشتغلين بالفلسفة في المغرب في وجهيها الرئيسيين: الاهتمام بالتراث العربي الإسلامي تحقيقاً، ودراسة وتأويلاً كذلك.

والفلسفة المغربية تجد نفسها هي أيضاً مدعوة إلى متابعة تطورات الفكر العالمي، وإلى ضرورة الاستعانة به في التفكير في خصوصيات الحالة المغربية والعربية؛ لذلك اعتبر أنه من المهام الأساسية للفلسفة المغربية التفكير في الحداثة وفي علاقتها مع التقليد، وذلك بالنظر إلى أن مجتمعنا وفكرنا منشدان، بل مشدودان وممزقان بين طرفي هذه الثنائية. فالحداثة التي داهمت مجتمعنا منذ منتصف القرن الماضي عبر تقنياتها وآلاتها أثارت نقاشاً حاداً بين الفقهاء، الذين اتجهوا إلى فحص إمكان جواز استعمال التقنيات العسكرية والتواصلية، كالبرق والـهاتف والدراجة والسيارة واللباس العصري والحلاقة العصرية وغيرها من المظاهر من زاوية الشرع.

يرجع العديد من الباحثين يقظة المغرب الحديث إلى موقعة إيسلي وحرب تطوان (1844) اللتين أشعرتا النخبة المغربية السياسية والثقافية بتأخر المغرب، وبعدم قدرته على ((لفظ الاحتلال وصون الاستقلال)). وقد أدى ذلك إلى فتح نقاش حول أسباب هذا التأخر. فهناك من أرجعه إلى التخلي عن الدين، والتفريط في التقاليد، ونسيان تراث الأجداد، والتنكر لماضي الأمة، وهناك من اعتبر السبب هو التوقف عن مواكبة تطور العلوم والتقنيات التي جاءت بها الحضارة الحديثة، وهناك من اعتبر الاستبداد السياسي هو علة           هذا التأخر.

وهناك من اعتبر تجمد الفكر العربي، وتحولـه إلى قوالب جامدة وجاهزة، هو سبب التأخر. وقد تراوح هذا النقاش بين التحليل المعمق والتقييم المتسرع، وبين تبرئة الذات ودغدغة الخيال الجماعي بإلصاق المسؤولية بالآخر (الغرب، الاستعمار، المؤامرة...) أو بتجريح الذات وتحميلـها كل المسؤولية.

إن الحداثة التي داهمتنا فجأة وأخذتنا على حين غرة هي أولاً حداثة برانية، وليست جوانية، بمعنى أنها لم تنشأ في تربتنا العربية، حتى وإن كانت الحضارة العربية في أوج ازدهارها إلى حدود القرن العاشر الميلادي، قد ساهمت في الإعداد لـها، بل هي حداثة دخلت مع الاستعمار، ومن ثمة غربتها، وغرابتها، وغربيتها، واغترابها. وهي ثانياً حداثة عنيفة في طريقة حلولـها وحصولـها، وفي الفعل التفكيكي الذي تمارسه على كل البنيات الاجتماعية والفكرية التقليدية، محدثة شروخاً في الواقع، وفي الوعي، والذاكرة، واللغة، والخيال، وطرق الإدراك. وهي ثالثاً حداثة يختلط فيها بشكل رفيع التحرر بالسيطرة، فهي تحرر من ثقل التراث، ومن تثاقلاته، وأشكال عطالته، ومن صور العالم القديمة، تحرر الفرد من ربقة التقليد، ومن ثقل الماضي، وتزوده بحق الاختيار، وبقسط أكبر من الحرية، ومن المسؤولية، وتفتح أمامه طيف ألوان من الاختيارات، لكنها تعود لتلتف على هذه الحرية بأشكال وأساليب، لتكيفه وتشرطه وتشذب أبعاده النقدية، مبقية على بعد واحد هو بعد الامتثال، وأحادية البعد وهي ثالثاً حداثة سوقية لا تستأذن، فهي تنتشر عبر كافة أشكال الوجود الاجتماعي بأساليب متنوعة، مدخلة المجتمع في صراع بين القديم والجديد، وبين التقليدي والعصري. تقتحم الحداثة العالم التقليدي، بكياناته الجوهرية، وتراتباته الأنطولوجية، وماهياته الخالدة، زاجة به في تفاعل صراعي قاتل داخل مصاهرها، محدثة أشكالاً غريبة من التلاقحات، والتفاعلات، والامتزاجات الـهجينة، على مستوى صورة العالم، واللغة، والتقنيات، والمؤسسات السياسية، والقيم الأخلاقية. تنتشر الحداثة عبر وسائل متعددة، عبر التجارة، والأسفار، والـهجرات، والاستعمار، أحياناً بعنف، وأخرى بلطف ودماثة. فهي تدغدغ الرغبة، وتداعب الخيال، وتستثمر وهم القوة، سارية في النفوس سريان النار في الـهشيم، مستخدمة الإغواء والإغراء تارة، والعدوي والعنف تارة أخرى, متسببة في حدوث ارتطام اصطلح على تسميته بصدمة الحداثة، وفي إحداث شرخ عميق في الوعي التقليدي، وفي النظرة التقليدية للعالم.

للحداثة استراتيجياتها الـهجومية القصوى، المتمثلة في تحويل الجواهر إلى علاقات، والماهيات إلى سيرورات، والغايات إلى وسائل، مدهرنة كل ما هو مقدس، ومؤرخنة كل ما هو أبدي، ومبخرة كل ما هو صلب. إن فعلـها أشبه ما يكون بمفعول ((السائل المذيب)) القادر على تحليل وتفكيك المواد، ونزع الورود الجميلة التي كست العالم التقليدي، وتفتيت الصور الرائعة التي علقت به. إنها تقذف بالمجتمعات التقليدية، ولمرة واحدة، في أتون معركة لا مستقر لـها، وتعرضها لعواصف التاريخ الـهائجة، وتخرجها من زمنيتها التكرارية الأبدية، ومن نرجسيتها، إلى زمن كوني قوامه التجدد النوعي، والنزوح الدائم عن المركز.

لكن للتقليد آلياته الدفاعية، واستراتيجياته الـهجومية كذلك. فردود فعلـه تتراوح بين الاندماج التلقائي، ورد الفعل الارتكاسي العنيف. فخطته تقوم في إجمالـها، لا على رفض الحداثة وإدانتها والمطالبة بالتخلي عنها كلياً، بل إلى الدعوة إلى محاولة تشذيبها وترويضها، وإضفاء طابع روحي عليها، وإلى تقليم أظافرها ونزع أشواكها.

وغالباً ما يجد التقليد نفسه ممزقاً بين ضرورتين: ضرورة التعامل مع الحداثة والقبول الجزئي بها، لأن أي رفض لـها هو رفض للواقع، وللتاريخ، وللتقدم، وحكم بالضعف والانعزال، والادمان في التخلف، وضرورة استعمالـها، واستثمار بعض جوانبها، والاستفادة من تقنياتها، ومنتجاتها الاقتصادية، ونظمها السياسية، مع رفض لبنيتها الفوقية الثقافية والميتافيزيقية.

إلا أن هناك صنفاً آخر من التفاعل أقرب ما يكون إلى مكر التاريخ ودهائه. فالتقليد يلتبس أحياناً بعض لبوس الحداثة ليتمكن من الاستمرار، بينما تتطرود الحداثة في التقليد حتى تتمكن من النفاذ. فكل منهما يحاول احتواء الآخر، واصطناع مظاهرة، لترويضه وتسخيره عبر عمليات خلاسية لا حد لـها.

وتلك سيرورات تاريخية طويلة الأمد، وليست مجرد معارك سياسية قابلة للحسم عن طريق الإرادة والتنظيم المؤسسي.


خرائطيات الحداثة

الحداثة الأوربية كحداثة مرجعية

للحداثة تواريخها، وجغرافياتها أيضاً، مثلما أن لـها دينامياتها الخاصة، فقد نبتت نبتتها الأولى في إيطاليا زمن ((عصر النهضة)) حيث ازدهرت الفنون والعلوم والآداب، وقامت حركة النهضة باستعادة فكر اليونان، وفكر روما القديمة، وبدأت هذه الدينامية في السريان عبر بلدان أوربا الغربية. وقد سايرت حركة النهضة عملية أخرى، أعطت للنهضة بعداً آخر، ونسغا آخر، وهي عملية الإصلاح الديني البروتستانتي التي انطلقت سنة 1530م مواكبة أحداث تاريخية كبرى، كاكتشاف أمريكا، والوصول إلى الـهند، واختراع المطبعة، والاستعمال الموسع للبارود، ... الخ. إذا كانت روما هي المفرخ الأول للحداثة، فإن هذه الأخيرة بحكم طبيعتها الانتشارية قد سرت بعد ذلك بالتدريج إلى ألمانيا وفرنسا وإنجلترا. ويمكن اعتبار أوربا الغربية هي مسقط رأس الحداثة الأوربية، التي أخذت تكتسب بالتدريج بعداً كونياً، وتتخذ بالتالي صورة حداثة مرجعية.

المحطة الثانية في سيرورة الحداثة الأوربية بعد النهضة الإيطالية هي فلسفة الأنوار التي انطلقت شعلتها من فرنسا على يد مونتسكيو وفولتير والموسوعيين، والتي اتخذت طابع حركة اجتماعية وفكرية مناهضة للحلف المقدس المبرم بين الإقطاع والكنيسة.

وبعد ذلك، انتشرت شعلة الأنوار إلى كل من ألمانيا (كنط) وانجلترا (هيوم ولوك) مبلورة اتجاهاً فكرياً ظل إلى الآن بمثابة المنظومة الفكرية المؤسسة للحداثة. ويمكن إجمال المبادئ الأساسية للأنوار في:

1ـــ استقلالية العقل.

2ـــ رفض الأحكام المسبقة، وخاصة منها المبنية على كونها تمتلك سلطة أو تستند إليها.

3ـــ بلورة منظومة فكرية سياسية تقوم على مفاهيم الحرية (فولتير، كنط)، والتسامح (لوك)، والمساواة (روسو).

4ـــ فكرة التقدم المبنية على أساس فهم تاريخي لتطور المجتمعات.

هذه التشكيلة من الأفكار كانت كالفراشات المزركشة، لا تتوقف عن الانتقال والتجول في المراكز الحضرية والفكرية الكبرى في أوربا، أي بين أضلاع المثلث المسمى اليوم بفرنسا، وألمانيا، وانجلترا.

وقد لعبت باريس دوراً مركزياً في مخاض الحداثة هذا، مما جعل منها مدينة النور أو مدينة الأنوار، وخاصة في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، الذي شهد ميلاد حدث أساسي شكل إلى الآن المرجعية الكبرى للنظام السياسي الحديث، وللفكر السياسي الحديث، وهو الثورة الفرنسية (1789).

الحداثة الأمريكية كحداثة موازية متسارعة

إذا كان للحداثة الأوربية تاريخها الطويل، وتعرجاتها وتعثراتها ومخاضاتها العديدة الضاربة بجذورها في العصور الوسطى، فإن الحداثة الأمريكية تفتقد هذه الأرضية الثقيلة الصلبة التي شكلت رافعة وعتلة الحداثة الأوربية. فأمريكا لم تعرف ـــ بالمعنى الدقيق ـــ عصوراً وسطى، ونظاماً إقطاعياً، وتقاليد كنسية سلطوية، وذلك لأنها بلد جديد ناشئ بعد تدفق آلاف المهاجرين البروتستانت من أوربا، هرباً من الاضطهاد الديني، وبحثاً عن لقمة عيش. وبالتالي فهي لم تشهد العوائق والتثاقلات التي اعترضت التجربة الأوربية، ((وبنت حداثة بدون نظام قديم)) أي بدون دولة مركزية قوية، وبدون هوية لغوية وثقافية متجانسة (باستثناء الـهوية الدينية)، وبدون قيود          على المشاركة السياسية العريضة، وفي غياب حركة مطالب اجتماعية قوية.

وعلى عكس الفكرة السائدة في الأذهان، والتي تصور الحداثة الأمريكية وكأنها بنت الحداثة الأوربية ولحيقتها، فإن للتجربة الأمريكية فرادتها ومظاهر ريادتها بالنسبة للتجربة الأوربية نفسها. فأحداث الثورة الأمريكية ضد الاحتلال الإنجليزي أثرت بشكل مباشر على الأحداث في أوربا، إذ شجعت كل أولئك الذين يطالبون بالإصلاحات السياسية الديمقراطية في أوربا. وقد قدمت دساتير الولايات الأمريكية 1776ودستور الولايات المتحدة للثوريين الفرنسيين على وجه الخصوص، الذين تناقشوا طويلاً حول إمكانية قيام جمهورية، وحول شكلـها المؤسسي، قدمت لـهم مثالاً ونموذجاً واقعياً حول ما يمكن القيام به فعلياً وواقعياً في هذا المجال. وبعبارة أخرى فإن المصلحين والثوريين الفرنسيين قد جردوا الثورة الأمريكية 1776 من سياقها المحلي، ليجدوا لفكر الأنوار السياسي مثالاً نموذجيات الواقع.

أورد هذه المماحكات لأبرز أن الثورة الأمريكية كانت إلى حد ما نموذجاً للثورة الفرنسية، وأن الحداثة السياسية التي تعتبر عادة نتاجاً للثورة الفرنسية، هي حداثة تدين بقدر كبير للحداثة السياسية الأمريكية، التي ستبين أنها حداثة موازية للحداثة الأوربية، وأنها ستخطو فيما بعد خطوات عملاقة إلى الأمام، ستتخطى بها وتائر سرعة تطور الحداثة المرجعية، وتدشن بها مرحلة جديدة منها، أطلق عليها الحداثة البعدية أو ما بعد الحداثة.

اليابان أو الحداثة اللاحقة

تعود جذور الثورة التحديثية في اليابان إلى منتصف القرن التاسع عشر، حيث حدثت ((ثورة المايجي)) التي قادت اليابان إلى أن يخطو خطواته الأولى في درب الحداثة. وقد حدث هذا التحول السياسي بعد سقوط نظام الحكم العسكري (سنة 1868) المدعو بشوغونة عائلة توكوغاوا التي حكمت البلاد ثلاثة قرون، وجعلتها تعيش ضمن نظام إقطاعي اتسم بعزلة طويلة عن العالم تجاوزت 250سنة. بفضل هذا التطور السياسي تحول المجتمع الياباني من مجتمع زراعي إقطاعي ومحافظ إلى دولة عصرية ذات صناعة حديثة متطورة، وإلى قوة عسكرية شاركت في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ثم أصبحت اليابان قوة اقتصادية كبرى في نهاية هذا القرن، لا تضاهيها إلا الولايات المتحدة الأمريكية.

والحداثة اليابانية حداثة فريدة، فهي حداثة تقنية واقتصادية بالدرجة الأولى، لكنها ـــ فيما يخص المستوى الثقافي ـــ استوعبت العديد من معطيات الثقافة الغربية وتمثلتها، لكنها وفقت إلى المحافظة على قسط من الروح اليابانية، إما في مظهرها العقدي أو في مظهرها السلوكي. وقد أخذ المفكرون والفلاسفة اليابانيون، بعد انقشاع الضباب الإيديولوجي، يتحدثون عن أوربة وأمركة الثقافة اليابانية بل الروح اليابانية نفسها، حيث يصرح أحد الفلاسفة المعاصرين في اليابان بأن البودية والكونفوشية كانتا تشكلان أساساً روحياً لليابانيين، لكنهما فقدا قوتهما.. إذ تلاشى، مع استفحال الأوربة والأمركة، ذلك المرتكز الروحي القديم وحل محلـه ((فراغ روحي واسع وعميق)) (كوزلوفسكي)، الفلسفة اليابانية المعاصرة).

لكن مع ذلك يبدو أن الحداثة اليابانية، على عكس الحداثة الأوربية مثلاً، لم تشهد ثورة فكرية وروحية جذرية، ولم تتولد عنها فلسفات رفض كلي للماضي والتقاليد، وللفهم التقليدي للعالم، بقدر ما اتسمت بنوع من التجديد التقني والاقتصادي المكثف، مما يشي بحدوث نوع من التمرير اللطيف للحداثة الغربية، بما لا يحدث شروخاً ثقافية نازفة، أو انكسارات حادة في الوعي التقليدي. وربما كانت الحداثة اليابانية مثالاً لإمكان قيام نوع من المصالحة بين الثقافات التقليدية والحداثة الكونية.

روسيا أو الحداثة الاستدراكية

تقدم روسيا للملاحظ السوسيولوجي مثالاً آخر للحداثة، وربما نمطاً آخر. إذ أن الثورة الروسية لم تقدم نفسها كثورة سياسية في بلد محيطي متخلف بالنسبة لأوربا، بل أيضاً كاستمرار للثورة البورجوازية المتجمدة، وكتعميق لـها بالانتقال من تحقيق الحريات والحقوق البورجوازية الشكلية إلى إنجاز الحقوق الاجتماعية التي تحقق المساواة الفعلية والصورية. وهكذا انخرطت هذه التجربة في سيرورة ضخمة من أجل تحديث الزراعة والصناعة والبنية الاجتماعية، لكن في أفق مركزة القرار وتركيز السلطة والثروة في يد الدولة. وبذلك استطاعت روسيا أن تصبح قطباً سياسياً عالمياً قوياً بين 1917 إلى حدود 1989، ودولة تقنية استطاعت أن تنافس الولايات المتحدة الأمريكية في غزو الفضاء، وأن تواجهها في مجال التقنيات العسكرية. وربما كان المستخلص الرئيسي من تجربة الحداثة الروسية، هي أن محاولة إحراق المراحل، واستدراك الفوات التاريخي بشكل إرادي، وبدون تحقق النضج والاختمار التاريخيين المطلوبين، لم تنتج إلا ((حداثة مسلوقة)) أي حداثة تفتقد شرط التطور التاريخي الحتمي، واختمار الوعي والمعرفة وكل الأسس الضرورية لتطور ذاتي تلقائي وحتمي، لا غنى عنه في أية تجربة تاريخية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مراجع:

-Peter Wagner, Liberté et discipline, tr. Fr. Éd. Metailié, Paris 1996-Alexis Nouss, la Modernité, Granger, Paris.


الحداثة: الفعل والفاعل والمفعول

من الانتقادات التي يتفضل بتقديمها المستهلكون للخطاب الثقافي حول الحداثة، كون هذا الخطاب يقدم الحداثة وكأنها فاعل كوني واع بذاته، فاعل يتقصد ما يفعل، ويخطط بدهاء لما يريد. وهذا الفاعل ليس كياناً آخر غير الحداثة ذاتها.

هذا الانتقاد وجيه فعلاً، لأن من يتحدث عن الحداثة قائلاً أنها غيرت نظرة الإنسان للعالم، وغيرت علاقته مع الطبيعة، ومع نفسه، وغيرت علاقته مع التاريخ الحي وعدلت فعل المعرفة نفسه، وأحدثت كذا وكذا، وألحقت كيت وكيت، يولد لدى القارئ والمستمع وهم الحديث عن كيان شبه ميتافيزيقي مجرد، بل يولد لديه صورة عفريت كوني، انطلق من قمقمة من أوربا الغربية مع بداية القرن الخامس عشر لينتشر في العالم كلـه. لكن أين هو هذا العفريت ومن يمثلـه: وهل الحداثة طاقة كونية فاعلة أم روح كونية جديدة تعتصر التاريخ البشري الحديث؟

يبدو إذن أن الدخول إلى معالجة هذا المشكل من باب الكيان (الحداثة) الموهم بالفاعل، لا من باب الفعل (سواء في صيغته اللازمة: التحدث، أو في صيغته المتعدية التحديث) يخلق فعلاً هذا الضرب من الالتباس والإيهام الملازم عضوياً وباطنياً لمصطلح الحداثة ذاته.

لكن إذا كان هذا الانتقاد يوقع العارض في حرج فعلي، إذ يتهمه بأنه يحول كياناً فكرياً مجرداً، أو نموذجاً مثالياً تفسيرياً، إلى فاعل كوني، فليس معنى ذلك أن الحداثة فعل بدون فاعل، حتى وإن لم يكن هذا الفاعل هو هذا الكيان التجريدي نفسه.

في خطوة أولى لاشك بتاتاً لدي كل من تناول مسألة الحداثة في أي مستوى من مستوياتها (من التقنيات والاقتصاد والعلم والقانون والسياسة، إلى العائلة والعلاقات الاجتماعية والقيم والذهنيات)، في أن الحداثة تنصحب دائماً بتحولات عميقة وبتغيرات جذرية تلحق كل المستويات المذكورة. فهي ملحوقة بتغير الاقتصاد من الاكتفاء الذاتي إلى السوق الكوني الموسع، وبالانتقال من العرف إلى القانون، ومن العائلة البطريركية إلى العائلة النووية، ومن العلاقات التعاضدية إلى العلاقات التنافسية، ومن القيم الجماعية إلى القيم الفردانية، ومن الذهنيات غير العلية إلى الذهنيات العلية التجريبية، ومن السياسة القائمة على الحق التراثي إلى السياسة القائمة على حق المشاركة السياسية للجميع... الخ. لا جدال إذن في أن الحداثة مرتبطة بجملة أفعال، وكذا بجملة مفعولات (أو مفاعيل) أهمها تفكيك البنيات التقليدية، وإفقادها وهجها وإشعاعها الرمزي، وإقحامها في مخاض من الصراع لا قرار لـه، ونزع دلالاتها ومعانيها الحافة القديمة، وإدراجها في سياق نزعة شكية لا نهاية لـها.

لا شك إذن في وجود فعل (بل أفعال)، وكذا في موجود مفعول (بل مفاعيل)، هذا إذا لم نجار النحاة، ونتحدث عن المفعول به، والمفعول فيه، والمفعول لـه، والمفعول معه، والمفعول لأجلـه... فمن يفعل ذلك إذا لم تكن الحداثة هي التي فعلته؟ هل الحداثة فعل أم مفعول أم فاعل؟ أم هي كل ذلك وزيادة؟ لا جدال مرة أخرى في كون الحداثة فعلاً ومفعولاً، لكن الجدال قائم حول الفاعل. فالانتقاد المشار إليه أعلاه يرفض أن يعتبر الحداثة بمثابة فاعل (sujet) كوني واع وحاسم، لأنها فقط كيان مجرد لا يصح أن ننسب إليه كل هذه الأفعال والمفاعيل.

هل الحداثة فعل بدون فاعل؟

هل هي مفعول لا فاعل لـه؟

لنستبعد إذن هذا الفاعل المجرد المزعوم، ولنبحث عن فاعل (وفواعل) الحداثة، عن فاعلـها الفعلي الملموس، ولنغامر بتقديم بعض الأفكار التي هي أقرب ما تكون إلى فرضيات أولية تفسيرية، بهدف الخروج من هذا المأزق الذي تسبب في إحداثه النقد السابق.

لكن لنمهد لجوابنا بالقول بأن هذه التحولات الـهائلة والمهولة المصاحبة للحداثة في كل ميادين حدوثها، هي بالتأكيد تحولات عملية ومؤسساتية وفكرية ضخمة. فهي شهادة، وخير شهادة، على وجود فاعل (وفواعل) حاسم ومؤثر.

نستطيع أن نميز في شبكة الفواعل بين فواعل هي على شكل قِوِي، وفواعل هي على شكل كيانات.

الفواعل القوي، هي التقنية، ورأس المال، والسوق والعقل والرغبة، أما الفواعل الكيانات، فهي إما كيانات بشرية، كالنخب المختلفة (البيروقراطية، المهندسون، العساكر، الساسة، رجال القانون والقضاء، العلماء والفلاسفة والمفكرون...) أو كيانات مؤسسية تقع بينهما (الدولة أو المؤسسة السياسية، المؤسسة العسكرية، المؤسسات المعرفية والعلمية، المؤسسات الاقتصادية، المؤسسات التقنية). هذا إذا قصرنا رؤيتنا على القوى والكيانات الداخلية في كل بلد،  وخاصة في البلدان التي كانت مهد الحداثة. أما إذا ولينا نظرنا نحو منظور كوني فإننا سنرى أن الاستعمار (بكل دلالاته التقنية والسياسية والفكرية) كان، باعتراف العديد من علماء الاجتماع، هو الفاعل الكوني رقم واحد على الصعيد العالمي، إذ كان بمثابة الأداة التي اتخذت عن طريقها الحداثة طابعاً كونياً ملحوظاً.

إن الحداثة إذن ليست فعلاً بدون فاعل. نعم أن هذا الفاعل يتخذ عدة أشكال، وينمسخ في عدة صور، ولكنه رغم كل ذلك قائم وموجود. إلا أن الجديد هنا هو ضرورة الخروج من التصور الانعزالي لكل من الفعل والفاعل والمفعول، إذ أن هذه الأنماط النحوية (بمعنى الفعلية) تتداخل فيما بينها، وتتبادل الأدوار بينها. ولعل تعدد وتداخل القواعد هذا، واكتساب الفواعل لصفات غير شخصية، وغير مشخصة أحياناً، ومزاوجتها للعديد من القِوِي والآليات هو ما يوحي بأن الحداثة سيرورة بدون ذات فاعلة، وفعل من غير فاعل جاحظ.

الحداثة بين فضاء التجربة وأفق الانتظار

أستعير من المفكر الألماني المعاصر كوزيليك مصطلحيه الأساسيين في التمييز بين الواقع والمأمول، وهما فضاء التجربة وأفق الانتظارات، محاولاً تطبيقهما على مشروع الحداثة الغربية، منذ انطلاقها في القرن السادس عشر إلى الآن.

فقد ظلت تجربة الحداثة الغربية، وخاصة خلال الفترة التي وعت فيها ذاتها كتجربة فريدة ومتميزة، أي في القرن الثامن عشر مع كنط وهيجل بالخصوص، تجربة محملة بالآمال الواسعة العريضة، وتجربة حبلى بالوعود، ومشحونة بالانتظارات. حققت ((الحداثة الظافرة)) في مراحلـها الأولى عدة ثورات علمية، كوبرنيق، وغاليلو، وداروين... وفلسفية (فلسفات العقل (ديكارت، كنط، هيجل...) وتقنية (الاختراعات المختلفة، منذ المحرك البخاري، واكتشاف الكهرباء...) وصناعية (الثورة الصناعية في إنجلترا) وسياسية (الثورة الفرنسية...) ودينية (الاصطلاح الديني مع لوثر) وجغرافية (اكتشاف القارة الجديدة، وغيرها من الاكتشافات الجغرافية)، كانت كلـها مصحوبة بآمال عريضة في تحقيق سعادة الإنسان، وفي إقرار العدالة والمساواة بين الناس في المجتمع الواحد، بالإضافة إلى آمالـها في تحقيق المعجزات في مجال التقدم التقني.

ولعلـه من العسير اليوم القيام بجرد حسابي دقيق ومقارن بين ما حققته الحداثة الغربية في مختلف مستوياتها، وبين ما كان منتظراً منها. ذلك أن إنجازات الحداثة هي من الاكتظاظ والزخم والسرعة، بحيث يصبح من المتعذر إحصاؤها كلـها. لكن في إطار نوع من المقارنة التعميمة والشمولية يمكن أن نغامر بالقول بأن ما حققته الحداثة الغربية في مجال معين هو أضخم بكثير مما وعدت به، وبأن ما حققته في مجال آخر هو أهزل وأضأل بكثير مما وعدت به.

حققت الحداثة العملية التقنية آلاف المعجزات، إذ اكتشفت مجاهل الكون بمجراته اللامتناهية، ولا نهائيته في الزمان والمكان، وتمططه الدائم، وسياحته الفضائية اللامتناهية، واكتشفت الثنايا اللامرئية للمادة ((الجامدة)) من إليكترونات ونيوترونات، وما يكتنفها من حركية دائمة، واكتشفت ثنايا المادة الحية بمكوناتها الأساسية والثانوية، لدرجة جعلتها تشارف التحكم في عناصر الحياة، مما مكنها من تسخير العديد من المخترعات لصالح الإنسان. فقد طور التقدم التقني أشكال الإنتاج المختلفة، بما في ذلك إنتاج بعض الكائنات الحية (الاستنساخ)، وزود الإنسان بقدرات وطاقات كانت في الماضي من قبيل السحر والطلاسم، وجعل الإنسان يصبح فعلياً سيد العالم.

لكن، بموازاة هذا التقدم العلمي والتقني المهول، حدث نوع من التعثر والخلل في تحقيق ما كان ينتظر منها في المجال الإنساني والاجتماعي. فرغم أن الحداثة السياسية قد أفسحت المجال واسعاً أمام فئات عريضة من السكان ليصبحوا مواطنين ذوي حقوق سياسية واجتماعية، ودفعت بشرائح كبيرة من السكان إلى أتون المعترك السياسي، ووفرت لـهم آليات سياسية وقانونية للدفاع عن حقوقهم، ومقاومة مظاهر الحيف والظلم التي يمكن أن تلحقهم، فإنها بذات الوقت، قد فشلت في تحقيق شعار المساواة، وفي الانتقال به من دائرة الرمزية السياسية إلى الدائرة الاقتصادية والاجتماعية. كما أنها، بنفس الوقت، وبالحركة ذاتها التي هيأت بها الناس لتبني مشروع تحررهم الذاتي والاجتماعي، قد أسهمت في تهيئتهم لتلقى وتقبل الخضوع والاستبداد. كانت التجربة الاشتراكية التي طبقها التاريخ في شرق أوربا وفي أحوازها، محاولة لتمطيط نظام المساواة ونقلـه من الدائرة السياسية إلى الدائرة الاقتصادية، لكن هذه المحاولة فشلت تماماً تقريباً.

بل إن الأدهى والأمر، هو أن هذه التجربة الحداثية الغربية، التي رفعت شعار المساواة والتآخي بين البشر، إضافة إلى شعارات التقدم والتحرر، قد تحولت في جزء منها إلى تجربة استعمارية (ابتداء من 1800م إلى حدود منتصف القرن العشرين) بل إمبريالية، ثم عولماتية كما هو الشأن اليوم. وذلك لأن هذه التجربة قد اندغم فيها منذ بداياتها عنصران متنافران: التحرر والـهيمنة، التقدم والسيطرة (السيطرة على الذات وعلى الآخر).

لذلك يمكن أن نقول أن الحداثة الغربية حققت في جانبها العلمي والتقني ما كان منتظراً منها، بل أكثر مما كان منتظراً منها، لكن هذه الإيجابيات والإنجازات باطنت أشكالاً من الـهيمنة الثقافية، والسيطرة الاقتصادية، والاستتباع السياسي للشعوب الأخرى، بل باطنت داخلياً الفشل في تحقيق المساواة الاجتماعية والاقتصادية بين الناس. لكن ذلك لا يغيرها مادامت مليئة بالوعود والآمال، ومادامت، كما يقول هابرماس ((مشروعاً لم يكتمل)) بعد، مشروعاً قابلاً للتعديل والتصحيح والتوجيه، ولاستبدال الوجه الكالح بابتسامة ملأى بالبشائر.

ولعل الميدان الذي حققت فيه الحداثة العلمية والتقنية معجزات هائلة هو ميدان الطب والعلاج. فقد استطاع التقدم المحقق في هذا الباب القضاء على العديد من الأمراض المزمنة والعصيبة، واستئصال العديد من الجوائح التي كانت تحصد سنوياً ملايين الأرواح. لكن رغم كل ذلك ما تزال هناك مناطق عتمة لم يتوصل العلم إلى التعرف عليها وإيجاد الدواء الملائم لـها كالسرطان وداء فقدان المناعة.

فالميدان الطبي هو من بين الميادين التي يتطابق فيها بشكل واضح فضاء التجربة بأفق الانتظار: فضاء التجربة في غاية الزخم والغنى، لكن أفق الانتظار لا يقل عنه زخماً، فالمأمول فيه لا يقل عما تحقق.

ولعل من الممكن تعميم هذا النموذج على المجال الاجتماعي والإنساني ذاته، أي فيما يخص تحقيق قيم العدالة والمساواة الاقتصادية بين الناس، وانتفاء أشكال الظلم والاستبداد السياسي، واستبعاد أسباب العنف والإرهاب، وتحقيق شروط السلم الاجتماعي والسلام بين الدول. ومن هذا الباب يبدو أن أفق الانتظار هو أوسع وأعرض بكثير مما وفرته التجربة إلى حد الآن، ولعل هذا هو ما يبرر حكم هابرماس عن الحداثة كتجربة لم تكتمل بعد.

ميتافيزيقا الحداثة

عندما يطرق ذهننا هذا المصطلح نفكر مباشرة في هيدجر، الفيلسوف الألماني الذي نبش عن الجذور الميتافيزيقية للحداثة في الفكر الغربي. والطريف في الأمر أن هذا الفيلسوف الذي وضع نصب عينيه مسألة فلسفية وميتافيزيقية في نفس الوقت، هي مسألة الكينونة أو الوجود، قد وجد نفسه في يوم من الأيام يعالج موضوعات تتعلق بصلب العصور الحديثة، وبالحداثة نفسها، وبالتقنية...الخ. بل وجد نفسه متجهاً إلى الكشف عن الأصول والسمات الميتافيزيقية للحداثة.

وهو وإن تطرق لمسألة الحداثة، ولامس بعض ملامحها السوسيولوجية، المتمثلة في الكتلية الجماهيرية، وذوبان أصالة الفرد وسط الجموع، كما لامس بعض ملامحها السياسية، المتمثلة في النزعة الكلية والاستبدادية التي يساعد تقدم التقنية على تحقيقها، بحكم ما توفره من وسائل إدارة ومراقبة وتحكم في الأشياء والبشر على السواء، ولامس الجوانب الأخلاقية في مسلكيات الحداثة، حيث تتحول العلاقة بين الناس ـــ على غرار علاقة الناس بالأشياء ـــ إلى علاقة استعمالية مقياسها النفع والمردودية، فإنه لم يكن يقصد إلى معالجة الحداثة، كسوسيولوجي، أو سيكولوجي، أو أخلاقي، بل كفيلسوف. والمعالجة الفلسفية لمسألة الحداثة هي من جهة أولى الكشف عن الخلفيات الفلسفية التاريخية للحداثة، والكشف من جهة ثانية عن الدلالات الفلسفية بل الميتافيزيقية للحداثة، من حيث أنها تقيم علاقة جديدة تماماً مع الكينونة والكائن. وحتى إذا ما بدأ أن هذا التشخيص الميتافيزيقي للحداثة قد اكتسى صبغة إدانة أخلاقية للحداثة، أو صبغة بكائية رومانسية قروية على الأخطار المحيقة بالطبيعة وبالإنسان وبالبيئة فليس ذاك مقصده الأساسي، بقدر ما هو ناتج عرض عن التشخيص الفلسفي الذي يظل هو الـهدف والمبتغى. السمات الأساسية للحداثة في هذا المنظور حسب ترتيبها من حيث الأهمية هي: التقنية، العلم الرياضي، ارتباط الفن بعلم الجمال، ظهور الثقافة وأفول المعاني القدسية الكبرى. وهذه السمة الأخيرة لا تعني بالنسبة لـه الإلحاد الفض أو ضمور الاعتقاد، بل تعني على العكس من ذلك تماماً أن الإنسان الحديث استبدل الإلـه المتعالي بآلـهة من خشب، أي ببدائل خشبية على شكل مخترعات تقنية، أو تيمات أيديولوجية، أو بطولات فردية قيظ لـها أن تشفي غليلـه وتنقع ظمأه إلى الاحتياجات الميتافيزيقية الأساسية، التي لا يمكن أن يشبعها إلا الاعتقاد في الله، لأن الاعتقاد في الله هو وحده القادر على تنحيتنا وتخليصنا من التيه وعبادة الأوثان. وبذلك يتم وضع الأصبع على الجرح، هذا الإنسان التائه في درب الحداثة والمفتون بمنتوجاتها وبإفرازاتها، قد أحل أصناماً فكرية، أو تقنية، أو وظيفية، أو بشرية، محل القيم العليا أملاً في أن توفر لـه بعضاً من الطمأنينة والراحة الروحية التي افتقدها مع حلول العصور الحديثة.

السمة الثانية للعصور الحديثة هي العلم الذي أصبح أسطورة العصر. وهذا العلم الجديد يختلف عن العلم القديم الوسطوي، لا فقط كما يقول بعض مؤرخي العلوم من أن العلم الحديث علم عيني وملموس، ويدرس الأحداث، في حين أن العلم القديم علم تجريدي وتعميمي. وذلك لأن الفرق بين العلمين ليس أبدا فرقاً في الدرجة بل في النوع.

وأيضاً لا يمكننا أن نقول بأن الفرق بينهما هو أن العلم الحديث أدق من العلم القديم، وذلك لأن العلم الإغريقي لم يكن أبداً دقيقاً، ولم يكن يطمح إلى ذلك، ولم تكن لـه حاجة إلى ذلك. لقد كان العلم الإغريقي دقيقاً بطريقته الخاصة.

بل إن الفرق بين العلم القديم والعلم الحديث يقوم في التصور الرياضي للطبيعة، وهو التصور الذي رسخه غاليلو في 1673مؤكداً بأن الطبيعة مكتوبة بلغة رياضية. وهي الفكرة التي تعني ترييض الطبيعة، واعتبار استخدام الرياضيات شرطاً مدخلياً إلى الطبيعة، بل شرط انتماء إليها. وهذا يعني أن على الطبيعة الامتثال للتدخل الرياضي للإنسان، وكأن الطبيعة لا يمكن أن تسلم قيادها وتكشف أسرارها إلا نتيجة تدخل ميتافيزيقي للذات البشرية نفسها، وهذا ما أعطى معنى جديداً للعلم نفسه، حيث لم يعد الموضوع العلمي هو ما يعطي نفسه بشكل سلبي، وليس هو ما يظهر نفسه ويكشفها بحياد وتلقائية، بل أصبح الموضوع العلمي نفسه نتيجة لتدخل الذات، ونتيجة ((إنشاء وإعداد نظري)) وافتراض منهجي، (وهو تصور أقرب إلى النظرية التواضعية أو الاصطلاحية للعلم).

إلا أنه إذا كان العلم يشكل ظاهرة أساسية للعصور الحديثة فإن الظاهرة الأساسية للعصور الحديثة ليست هي العلم بل التقنية التي ليس العلم إلا مظهراً من مظاهرها. والتقنية هنا مأخوذة بالمعنى الواسع، بل في مدلولـها الميتافيزيقي، من حيث هي نمط علاقة جديدة للإنسان الحديث مع عالمه المحيط. وعندما نقول بأن العصور الحديثة تقنية فليس القصد هو أن هذه العصور مليئة بالمخترعات التقنية، كالمحركات والآلات البخارية وأشكال استخراج وتوظيف الطاقة، بل معناه على العكس من ذلك تماماً أن هذه الآلات والمخترعات التقنية موجودة ومتكاثرة لأن الفترة تقنية في جوهرها. فالمخترعات التقنية تستمد تسميتها من العصر الذي تنتمي إليه وليست هي مصدر تسمية العصر.

أما فيما يخص جوهر ومضمون معنى التقنية فقد دأبنا على اعتبار أن جوهرها هو الاستخدام والاستعمال والصنع، وهي بالفعل مظهر أساسي من مظاهرها، إلا أن الجوهر العميق للتقنية هو الكشف والاجلاء. فالتقنية انكشاف وانجلاء، وكشف وإجلاء. والكشف الخاص بالطبيعة هو شكل ((التحريض والإثارة الذي يرغمها على تقديم وإخراج الطاقة الكامنة أو المتراكمة فيها)). من المنظور التقني تصبح الطبيعة مخزناً أو مستودعاً تغترف منه التقنية والصناعة، بمعونة العلم الذي يظهر بدوره الطبيعة كمركب من القوى قابلة للحساب والتنبؤ. بل إن المنظور التقنوي لا يكتفي بتحويل معنى الطبيعة ومعنى العلم، بل يطال الإنسان ذاته الذي يتحول إلى مادة خام، ومخزن، ومستودع و ((موضع)) تسري عليه نفس قوانين الاستعمال والاستخدام (الاستلاب) الخاصة بالأشياء، بل لقد أصبح الإنسان في المنظور التقني (بشقين الجماعوي والفرداني) هو ((أثمن رأس         مال)) (ستالين).

التقنية إذن ـــ من حيث هي السمة الأساسية التي تشقق منها السمات الأخرى للعصور الحديثة بالنسبة لـهيدجر ـــ تعني التحكم الكامل في الطبيعة والإنسان. فهذا الأخير نفسه يصبح خاضعاً لـها وموظفاً لديها، فالمسيرون (P.D.G) والتكنوقراطيون  والعلماء المخبريون ليسوا سادة التقنية، بل هم ((عمالـها)) (عمال تجهيز) وموظفوها المستجيبون لمتطلباتها في التحكم الكامل والتخطيط الشامل والعقلنة المفرطة.

وبالتالي فإن التقنية هي الوجه الآخر للميتافيزيقا، لميتافيزيقيا الذاتية المتمثل في سيادة الذات والذاتية كأساس ومعيار لكل الكائنات، وهو المعنى الذي انبثق جزئياً في الفلسفة الإغريقية، لكنه اكتمل واستقر مع بداية الفلسفة الحديثة، وبالخصوص مع ديكارت، لقد أصبح الإنسان سيد الطبيعة، والكائن هو موضوعية التمثل، والحقيقة هي يقين التمثل الذاتي. تعريف الكائن (موضوعية التمثل) والحقيقة كيقين للتمثل، ووضع الذات كمركز ومعيار لكل الكائنات هي العناصر التي مكنت من نشوء تصور للعالم في العصور الحديثة، وهو الأمر الذي لم يكن وارداً لا في العصور القديمة ولا في العصور الوسطى. ففي العصور القديمة، وفي الفلسفة الإغريقية على وجه الخصوص، لم يكن الكائن يستمد كائنيته من اية ذاتية، ولا من انتمائه إلى أي نظام ثيولوجي؛ أما في العصور الوسطى فقد أخذ الكائن يستمد كائنيته من كونه مخلوقاً ومنتمياً لنظام ما هو مخلوق، بينما في العصور الحديثة أصبح الإنسان هو الذاتية الحقيقية الأولى والوحيدة، بل أخذ يشكل الحقيقة المرجعية لكل كائن. وقد اتخذت هذه الذاتية في المراحل الأولى مع ديكارت وليبنتز صورة العقل، ثم مع كنط اتخذت الذاتية صيغة إرادة متجهة نحو تحقيق سعادة الإنسان وحريته، لكن هذه الإرادة تعود مع نيتشه ـــ لتنكفئ على ذاتها، وتتوقف عن الاتجاه نحو تحقيق الحرية والسعادة، وتصبح مجرد بحث عن القوة من أجل القوة، بدون أية غاية أو هدف غير ذاتها. وتتحول الذاتية في النهاية إلى إرادة تنكر كل نهاية أو غاية، ولا تقبل بأية غاية أن لم تكن هي ذاتها وسيلة.

فالجوهر الميتافيزيقي للتقنية هو الذاتية، من حيث هي عقل وإرادة انكفئا على ذاتهما، وحولا الكائن إلى مجرد حضور أمام الذات قابل للحساب والاستعمال. ولذلك فلا غرابة في القول بأن القنبلة الذرية قد انفجرت قبل ذلك في الكوجيتو الديكارتي. هذا التشخيص الـهيدجري للجوهر الميتافيزيقي للحداثة أبرز الكثير من سلبيات الحداثة، وبدا وكأنه صك اتهام لـها. فعرضيا نتحدث عن عصر الحداثة هذا بأنه العصر الذري، أو عصر الاستهلاك، أو عصر استنهاك وإخلاء الأرض، أو عصر سيادة (التيه المحض)، أو عصر المجانسة التامة لكل الأشياء، أو عصر الغياب الكامل للمعنى والـهدف، أو عصر إرادة، الإرادة، بل عصر التفاهة الذي يصبح فيه الملاكم (المفتول العضلات) (أو العداء، لنفكر في مظاهر القدسية والأسطرة التي طالت بعض ((أبطالنا))) إنساناً عظيماً يقدسه الشعب.

والأخطر من كل ذلك، هو ما طال الإنسان من تشذيب وترويض، بحيث غدا كائنا مروضاً ومكيفاً، بل فرداً من قطيع مساقاً من قبل السادة. طغيان الكتلية وروح الدهماء القطيعية التي حلت محل أمل إقامة الفرد الحر الخلاق، ظلامية العالم وغياب الأهداف، تحطيم الأرض وغياب القيم العليا، التشكك الحاقد تجاه كل ما هو خلاق وحر وأصيل، أصبح هو العملة الرائجة في المجتمعات الحديثة المصابة بالـهوس الكارثي للتقنية المنطلقة من كل ضابط، وللعقل الحسابي المروض لكل شيء.

هل نعود القهقري إلى الحقول الخضراء والأشجار الباسقة والمياه المترقرقة، لنشاهد قوس قزح وأغاريد الطيور وصدى الريح، ونولي ظهرنا لـهذه الآلات السحرية، ولـهذه المنتوجات اللذيدة، لـهذه الأصوات الرائعة الجميلة، والعطور الفاتنة، هل نترك أزيز السيارات لنسمع أزير الصراصير، ودخان المصانع لنشم رائحة الأرض وطعم البخار. هل نترك المعلبات ونعود لاقتطاف الثمار طازجة من نسيجها الحي، هل نتخلى عن ((الملابس الجاهزة)) لقاء العودة إلى أوراق التوت وجلود الحيوان، أم ماذا؟

يبدو أن هذا الحل بسيط. ولعل الأمر عند هيدجر لا يتعلق بحنين رومانسي إلى الطبيعة للاحتماء من شر التقنية والرأسمالية، ولا بحنين إلى ((الحقبة الإغريقية الجميلة)) على مستوى الفكر، ولا بالرغبة في التخلي عن مكتسبات التقنية، بل فقط بالتنبيه لا إلى الأخطار الناجمة عن استعمالـها استعمالاً مبالغاً فيه بل إلى ماهية التقنية نفسها من حيث هي نداء تحكم وإضفاء تعسفي للعقل الحسابي على الأشياء. ومن حيث أن كل خطر يجر معه ما يمثل الخلاص بالنسبة إليه، فإن بالإمكان أن نقول نعم للاستعمال الجيد والضروري للتقنية، وأن نقول لا لنوع العلاقة الحالية لنا مع التقنية، التي هي علاقة استيلاء واستخدام للإنسان، وإفراغ لكينونيته من محتواها. ذلك أن من الضروري أن نميز بين العقل المبدع المكتشف، والعقل الأداتي المسيطر الذي حول نتاجاته إلى سلطة وإرادة قوة. لكن هل بالإمكان عزل هذا العقل عن ذاك؟ هل بالإمكان إدانة العقل الأداتي للتقنية على حدة وعزلـه عن العقل كملكة استكشافية تواصلية؟ أم أنه لا مناص لنا من أن نقذف الرضيع مع ماء الحمام؟ تلك هي المعضلة.

الهوامش:

[1]- Heidegger, <<La menace qui pése sur la science>>, in Ecrits politiques, Gallimard 1995, p. 169.
[2]- D. Shayegan, <<Qu’est ce qu’une révolution religieuse?>>, Paris, La presse d’aujourd’hui,p.206.
[3]ـــ برتراند راسل، النظرة العلمية، الفصل الأخير.
[4]- Heidegger, <<La question de la technique>>, in Essais et conférences. Gallimard.  
[5] ـــ إ. مصدق، ((نقد علم الطبيعة الحديث بين هوسرل هيدجر))، ملحق جريدة الاتحاد، 31 ماي 1996.
[6]-  Leo Strauss, <<Les trois vagues de la modernité>>, in Political phylosophy.
[7]- Shayegan, les Illusions de l’identité éd. du Felin, Paris 1992, p.226-227.
[8]- Habermas, le Discours philosophique de la modernité, Gallimard 1985, p.8.
[9]- Ibid, p.8.
[10]- Ibid., p.7.
[11]- Ibid., p.8.
[12]- Ibid.p.8-9.
[13]- Heidegger, Chemins, p.117-123.
[14]-  Ibid., p. 201.
[15]  ـــ عبد السلام بنعبد العالي، هيدجر ضد هيجل، ص113.
[16]-  Habermas, Discours, p. 1-2.
[17]  ـــ كارل ماركس، البيان الشيوعي، دار الحقيقة، بيروت.
 [18] ـــ هيدجر، ((عصر تصورات العالم)) ضمن كتاب؛ التقنية، الحقيقة، الوجود، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، 1995، ص137.
[19]-  Heidegger, Qu’est ce que la métaphysique? Questions I, Paris Gallimard, p,24. (Habermas, Discours), p.158.
[20]-  Heidegger, Nietzsche II, p.39.
[21]-  Heidegger, Chemins, p.174.
[22]-  Habermas, le Discours, p.163.
[23]-  Habermas, le Discours, p.20.
[24]-  Ibid., p.20.
[25]-  Ibid., p.21-22.
[26]-  Ibid., p.22-23.
[27]-  Luc Ferry, Philosophie politique I,p.16-17.
[28]-  Ibid., p.17.
[29]-  Heidegger, Nietzsche II, p.23-50.
[30]-  Heidegger, Chemins, p. 268.
[31]-  Ibid., p.263.
[32]-  Heidegger, Nietzsche II, p.23-25.
[33]ــ صادق جلال العظم، دفاعاً عن المادية والتاريخ، بيروت، دار الفكر الجديد، 1990، ص 85-94، أنظر أيضاً:
Atlas de la philosophie, T.F., Paris 1993, p.174.
[34]ــ محمد عثمان الخشت، فلسفة الدين في ضوء تأويل جديد للنقدية الكنطية، دار غريب، القاهرة، 94، ص 21.
[35]- G. Leblanc, <<Le conflit des modernités selon Foucault>>, in Magazine littéraire, nº 309, avril 1993, p.57, Voir Heidegger Kant et le probléme de la métaphysique, p.86-95.
[36]- Foucault, les Mots et les Choses, Gallimard 1998, p.320.
[37]- Foucault, <<Quais ce que les lumiéres>>. Magazine littéraire, nº 309 (1993). Voir aussi le cours publié in Magazine littéraire nº 207 (1984), p.35-39.
[38] ـــ فوكو، ((كنط والثورة))، مجلة الكرمل، العدد 12 سنة 1984، ص70-71.
[39]- Leblanc, le Conflit des modernités selon Foucault.
مرجع سابق الذكر.
[40]- Habermas, le Discours philosophique de la modernité, T.F., Gallimard, 1984, p.22-23.
[41] ـــ نفس المرجع، ص 28.
[42] ـــ نفس المرجع السابق، ص 22.
[43]- Habermas, Discours, p.22-23.
[44]  ـــ نفس المرجع، ص 1-2.
[45]  ـــ نفس المرجع، ص 9.
[46]  ـــ نفس المرجع، ص 23.
[47]ــ هابرماس، ((حتى نكون حداثيين إطلاقاً))، (حوار)، مجلة الفكر العربي المعاصر، ص 123-124.
[48]- L. Ferry, Kant, <<Penseur de la modernité>>, in Magazine littéraire, nº 309, avril 1993
أنظر أيضاً:
Ferry  et Renault, Systéme et critique ousia, Bruxelles 1992, (qu’un retour a Kant), p. 156-177.
[49] ـــ صادق جلال العظم، دفاعاً عن المادية والتاريخ، بيروت، 1990، ص 88.
[50] ـــ نفس المصدر، ص 93.
[51] ـــ ينسب إيرك في E. Weil إلى كنط الدور التاريخي المتمثل في إعداد فلسفة الوعي أي الفلسفة الحديثة، أنظر كتابه:
E. Weil, Logique de la philosophie, Paris, Vrin 1950, p.275.
[52]  ـــ الخشت، مصدر مذكور آنفاً، القسم الثاني.
[53]-Habermas, Discours philosophique de la modernité, Gallimard 1985, p.7.
[54] ـــ نفس المرجع، ص 18.
[55]-Hegel, <<La philosophie (est) son temps saisi dans la pensée>>, Hegel, philosophie du droit, Vrin, p.57 (Habermas, p.19).
[56]  ـــ نفس المرجع، ص 19.
[57]-  Hegel <<Différence des systémes de Fichte et de Shelling>>, in premiére publication, tr-Fr. Gap. 1970, p.88 Habermas, p.19.
[58]-  Habermas, ibid, p.39.
[59]  Ibid, p.39.
[60]  Habermas, p.20.
[61]  ـــ هيدجر، عصر تصورات العالم ضمن التقنية ـــ الحقيقة ـــ الوجود, الدار البيضاء 1995, ص 143.
[62]- Boutot, Heidegger, Que sais-je? P.86.
[63]-  Ibid, p.89-90.
[64]  ـــ ندوة زاهرينغن.
  Le séminaire de Zä hringen in Heidegger: Questions IV, Gallimard (tel), Parie 1976, p.460-488.
[65]- Alain Boutot, <<Heidegger et le probléme de la modernité>>, in Logiques de l’agir dans la modernité. Les belles Lettres, Paris 1992, p.151.
[66]  ـــ انظر مقدمة الجزء الأول من
Luc Ferrye A. Renault, philosophie politique, PUF 1984, p.7-32.
[67]ـــ يذكرSagransky R. في هيدجر وزمنه، المترجم إلى الفرنسية والمنشور لدى Grasset سنة 1994 أن هيدجر لم يكن منجذباً منذ شبابه الباكر نحو التيارات الفكرية ((الحديثة))، ص 26.
[68]   R. Wolin, la Politique de l’étre, Paris, Kimé, 1990, p. 116.
[69] ـــ نفس المرجع السابق، ص 117.
[70]   R. Safransky, Heidegger et son temps, Grasset, 1994, p.28.
[71]  ـــ الذي صدر جزء منه سنة 1936 ببلغراد، ثم نشر نصه كاملاً سنة 1954.
 [72]ـــ إسماعيل المصدق، ((هوسرل وأزمة الثقافة الأوربية))، مجلة مدارات فلسفية التي تصدرها الجمعية الفلسفية المغربية، العدد الأول، يونيو 1998.