|
|||||
|
|
الحج رحلة اكتشاف
د. عبد الجبارالرفاعي
اجابات الدكتور عبد الجبارالرفاعي على أسئلة مجلة المشاعر /جده /موسم حج سنة1425
كيف تنظرون إلى الحجّ بصفته شعيرة إسلاميّة كبرى في آفاقها الوجدانيّة والإنسانيّة التي تجمع سحنات مختلفة وثقافات متعددة، ولكن على بساط واحد؟ الحج رحلة اكتشاف, فهومن جهة اكتشاف عميق للذات, وما تختزنه من مشاعر واحاسيس واشواق روحية وتطلعات سامية, مخبوءة ولا تكاد تظهر في وعي المسلم الا حينما يجترح مغامرة روحية توقد احاسيسه, وتمنحه حيوية مشبوبه, ومشاعر جياشة, تنقله الى عوالم ملكوتية, ليس بوسعه ادراكها من قبل, واكتناه شيء من فيوضاتها, باعتبارها لا تكتنه بالحواس, وهي فرارة من العقل, وتتطلب شفافية معنوية, تودع لدى الانسان امكانية قراءة اشارات ورموز ما ورائية, تضيق العبارات عن استيعابها, وتعجز الالفاظ عن الدلالة عليها, لان الالفاظ والعبارات تشير الى مفاهيم ذهنية, بينما هناك درجة من الوعي اوالادراك ليست من صنف المفاهيم والمعاني الحصولية –حسب مصطلح المنطق الصوري- بل هي ابعد من ذلك انها قضايا انطولوجية حضورية يتماهى معها الانسان, ويتصل بها اتصالا وجوديا. وادعية الحج واذكاره, بدءا بالتلبية عند الاحرام, مرورا بما يليها من اذكار تصاحب الطواف, والسعي, والوقوف بعرفات, والمبيت بالمشعر الحرام, ومنى, والرجم, والحلق,...الخ. كلها تثير دفائن الروح وتطلعاتها السامية, للتحرر من اكراهات البدن وصخب الحياة, والانخراط في موكب العاشقين, الذين يحبون الله (والذين امنوا اشد حبا لله) البقرة /165. واكتشاف (الانا), وبخاصة ما يثوي في داخلها هوالخطوة الاهم في الطريق الى الله تعالى, فان (من عرف نفسه عرف ربه). والحج من جهة اخرى نافذة هامة يطل من خلالها المسلم على (الاخر الداخلي) الحج هوالمناسبة الوحيدة التي يتشكل فيها مجتمع مسلم واحد, يتسع لمختلف الاعراق والالوان واللغات والتقاليد, والثقافات المحلية للشعوب الاسلامية, ويمنح كل مسلم فرصة للاطلاع على هذا التنوع, والتعرف على محيطه الاسلامي بوضوح, ذلك ان ايام المناسك في مكة المكرمة هي الفضاء النموذجي لصياغة مجتمع تتجلى فيه مزايا وعاهات الاجتماع الاسلامي الراهن, الدينية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية, وبالتالي ترتسم صورة اكثر اشراقا مما نقرأه في الكتب عن احوال مجتمعاتنا, وادراك الصورة الاجلى ضرورة علمية وعملية لدراسة الظواهر الاجتماعية, والتعرف على احوال أي مجتمع, والبحث عن طبيعة مشكلاته وجذورها والروافد التي تستقي منها. فضلا عن ان الحج مناسبة هامة لاكتشاف الانسان كانسان, ومعرفة مواهبه وامكاناته, ومواطن قصوره وضعفه, ونمط اماله واحلامه, واساليب تعاطيه مع اخيه الانسان والواقع. لانك لا تستطيع ان تلتقي بهذا العدد من البشر الوافدين من شتى الاقطار في مكان غير مكة المكرمة وزمان غير الحج. كما يتيح لنا الحج قراءة مذكرات الانبياء، نقرأ مذكرات ابراهيم، مذكرات هاجر،… ونلتحم بتجاربهم , ونستلهم مناقبهم. هل من المتوقَّع أن يُحدِث الحجّ تحوُّلاً في رؤيتكم الفكريّة والثقافيّة للكون والحياة؟ وإذا ما كان ذلك كذلك فما أظهر تلك التجلّيات؟ باعتباري احد طلاب الدراسات الاسلامية, منذ اكثر من ربع قرن, ومتخصصا في دراسة الفقه واصول الفقه والفلسفة وعلم الكلام, اتاح لي الحج افاقا عديدة لمعاينه ما تعلمته من مقولات ومسائل واحكام في دراستي. فمثلا بهرتني شخصية المسلم الآسيوي في بلاد الملايو(اندونسيا, ماليزيا), عندما ظل باستمرار يلقاني والقاه- في الحرم الشريف والشارع والسوق والديار المشرفة في عرفات والمشعر ومنى – وهوضاحك, مشرق المحيا, مهذب, وديع, دافيء, رقيق, شفاف, حتى في لباسه – نساء ورجالا- ينتخب الالوان البيضاء البهيجة. مما اثار في عقلي مجموعة استفهامات ترتبط بعلم الكلام مثلما ترتبط في العلوم الانسانية الحديثة, خاصة (الانثروبولوجيا الثقافية). اذكر مثالا واحدا فقط : انا كدارس لعلم الكلام تساءلت : لماذا يضحك هؤلاء وتتهلل وجوههم على الدوام, بينما لا استطيع انا وربما غيري ان نكون كذلك ؟ وما هواثر البيئة الحضارية, والأنساق الثقافية والسياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية, في تمثل المجتمع للدين ؟ وهل للدين الواحد فاعلية واحدة متطابقة, ونفس التأثير, مهما تنوعت المجتمعات, وتباين تاريخها وموروثها ؟ ولماذا لا ندرس هذه القضية وغيرها في علم الكلام, لانها تتصل مباشرة بوظيفة الدين في الحياة, ودوره في الهداية ؟ ولعل حالة التسامح السائدة لدى مسلمي الملايوتعود الى شيوع تصور عن الله تعالى باعتباره, الرحمن, الرحيم, الودود, الرؤوف, الكريم. بخلاف التصور الشائع في محيط اسلامي اخر, وهوالتصور الملتبس بما راكمه بعض المتكلمين والفقهاء, الذين عاشوا تحت نير الاستبداد, وارهقت وعيهم صراعات الفرق والطوائف في عصورهم. هذا مثال ذوعلاقة بعلم الكلام, ويمكنني ان اذكر مثالا يتصل بالفقه. عندما حججت للمرة الاولى قبل 25 سنة, فزعت من تكدس الخراف المنحورة في المجزرة, وتعفن بعضها, ودفعها بالجرافات الى المحرقة, فقلت : هل ينسجم ذلك مع ذوق الشريعة ومقاصدها العامة ؟ ولما كانت الاحكام الشرعية, معلولة لملاكات ومصالح, وكل حكم يدور مدار الملاك والعلة, فأين المصلحة في حرق (الهدي) الذي نص القران على (اطعامه للقانع والمعتر) ؟ وان لم تكن هناك امكانية للاطعام الفوري, فبالامكان تخزينه في الثلاجات, وتوزيعه على فقراء المسلمين, كما صار يفعل في السنوات الاخيرة. وهكذا هالني مشهد رمي الجمرات, وظل يستنفرني كل عام اجيء فيه للحج تدافع الحجاج وازدحامهم, والاختناقات التي تفضي الى وفيات عند الجمرات في السنوات الاخيرة. حتى اني كدت اكون احد ضحايا الاختناق عند جمرة العقبة مع زوجتي في موسم حج 1422هـ , لولا ان منّ الله علينا بحياة جديدة. وعندما راجعت احكام رمي الجمرات في القران الكريم والسنة الشريفة وتراث الفقهاء, لاحظت ان بالامكان الخروج من هذا المأزق, وحفظ انفس الحجاج, وحفظ النفس احد المقاصد الاساسية للشريعة. فبوسع الفقهاء التيسير في احكام الحج, والشريعة مبنية على نفي العسر والحرج, والافتاء بمشروعية الرجم على مدار 24 ساعة من دون فرق بين الصباح والمساء, والليل والنهار. كما يمكن تمديد مساحة الجمرات افقيا وعموديا, لتغدومثلا 5م عرضا*20م ارتفاعا, باعتبار الرمزية لمحل الجمرة, والبناء المشاد فوق المحل يتجدد دائما, يتآكل, ويتفتت, وينهار بفعل الرجم, وعوامل التعرية, والرياح, والحرارة الشديدة, والسيول, ثم يشاد بناء الجمرة من جديد. هذه امثلة عاجلة, واتمنى ان يحج كل فقيه, من دون رخص, متمسكا بعزائم فقه الحج, عدة مرات, ثم يدون (مناسك وفقه الحج) بعد ذلك, لكي يفتش للمسلمين عن دائرة المباح, وهي واسعة, والرخص, ومواطن التيسير. وقد خلصت الى ان دراسة الفقه في مقررات الدرس الشرعي في حواضرنا العلمية لا تكفي لانتاج فقه يواكب الحياة, وانما ينبغي دراسة الواقع ايضا, والاصغاء الى ايقاع الحياة, وما تحفل به من متغيرات تقنية , وعلمية, واجتماعية, واقتصادية, وثقافية, وتمدينية. للمثقّف عين باطنة يرى فيها إلى ما حوله.. قد تكون هذه العين في لحظات أخرى غير الحجّ منشغلة بالنظريّة والرؤية، ولكنّها في الحجّ أكثرارتباطًا بالنّاس، وباليوميّ والمعتاد، ما الذي رأته تلك العين، وما الذي ستراه؟ تقدم الجواب في الفقرة الاولى من جوابي على السؤال الاول. الحجّ إلى البيت العتيق فرصة للتعارف بين المسلمين.. ترى ما الذي أحدثته مشاركتكم في (الندوة الكبرى) فيكم، وهل أعددت مساحة بيضاءلتدوين أرقام هواتف جديدة، وعناوين بريديّة أخرى، تحمل رائحة الحجّ والحرمين الشريفين؟ (ندوة الحج) في مكة المكرمة فرصة ثمينة لمعايشة نخبة من الباحثين والدارسين والمثقفين من بلدان عديدة. وميزة هذه الندوة ان المدعوين يمثلون شتى الوان الطيف الاسلامي, يلبثون مدة تزيد على اسبوعين تحت سقف واحد, ويشتركون في الفعاليات الثقافية, واداء المناسك, يتحدثون, ويتحاورون, ويصغي بعضهم للبعض الاخر, ويمضون ساعات طويلة في الليل والنهار مناقشات قضايا هامة, يتناولون فيها تحليل الظواهر الثقافية والحياتية المختلفة للاجتماع الاسلامي الراهن, ويقاربون التراث مقاربات نقدية واعية. (ندوة الحج) بالنسبة لي مناسبة ثمينة, فتحت لي قنوات للتواصل مع جماعة مميزة من المثقفين والباحثين, من المهتمين بالقضايا الفكرية والعملية التي اهتم بها.وعبر معايشتي مع هؤلاء الاخوة تعلمت اشياء كثيرة, وراجعت بعض القناعات, ووجدت ان لا حياة للعقل الا بمعرفة الاخر, ولا وقود لعملية التفكير الا بالاستماع للغير. في الندوة تلتقي بطائفة من ابرز رجال الفكر المهتمين بالدراسات الاسلامية, وكل منهم يعطيك خلاصة خبراته النظرية والعملية, وهي خبرات تتطلب منك مطالعة كما هائلا من الصفحات, كيما تتعرف على مفاهيم واراء وافكار اولئك الرجال. كل ذلك يجري بعفوية وتلقائية, بلا حلقات منظمة, اومواعيد مسبقة, اثناء الاجتماع على مائدة الطعام, اومخيم الاستراحة, اوغرف السكن, اوالسهرات الثقافية الماتعة. عن الأمنيات بألوانها وظلالها.. لنا جميعًا أمنياتنا الحميمة، ولكنّها في الحجّ، يصبح لها لون آخر، ما الأمنيات التي جئتَ لتعلِّقها على جدران الحجّ؟ عندما وفدت الى ديار الرحمن للمرة الاولى, غمرتني اشواق الروح, وطفقت اعانق عند كل ثيمة ومشهد عبق النبوة, ونور الوحي, واغترف من نمير ابراهيم عليه السلام, وزوجته هاجر, وترتسم امامي خطى محمد صلى الله عليه واله. ارض الحرمين مشبعة بالرموز, تضج بالمعاني, تخلع معنى لما لا معنى له في حياتنا, تجد نفسك فجأة في عالم تهيمن عليه لغة بديلة, لا تفك شفراتها المعاجم والقواميس, وانما تقرأها بيسر لوتطهرت, وانسلخت من الرجس, وما يدنس حياتك. ومعانقة ثيمات الحرمين تروي عطشك, وتسقيك من معين لا ينضب, وتحقق لك احلاما واماني, ليس بوسعك حصادها من خلال تكديس المال, اوالهرولة وراء الوجاهة والالقاب, وما يحرص عليه الانسان من الدنيا. انا لست زاهدا في الدنيا, غير اني احسب ان امتلاك الدنيا لا يعني امتلاك السعادة. والسعادة من اسبابها وفرة المال والولد والجاه, الا انها لا تحقق بلا (حب الله). لقد وهبني الحج نوعا من الوجد والشوق الدائم الى ديار الرحمن, ومن احب شيئا احب كل ما يوصل اليه. رسائلك إلى هؤلاء: ذاتك؟ يهمني ترسيخ النزعات : العقلانية, المعنوية اوالروحانية, والانسانية, في ذاتي, وتحرير نفسي من الاكراهات العصبوية والعرقية والطائفية والايديولوجية, بمختلف اشكالها. اسرتك؟ طلب العلم من المهد الى اللحد, وحب الناس, فان الدين هوالحب. اصدقاؤك؟ خير الناس من نفع الناس. كان يوبخني احد الاصدقاء المدمنين على الطقوس بقوله : انت تقدم خدمات للناس مجانا. فكنت اجيبه قائلا: خير الناس من نفع الناس. امتك؟ الخلاص من صناعة الكراهية, فان ديننا دين الرحمة والتسامح, والناس صنفان : اما اخ لك في الدين اونظير لك في الخلق. الحجّ مرتبط بذاكرة الأطفال بالهدايا التي ليست كغيرها من الهدايا.. ما الهدايا التي ستعود بها من الحج؟ انطباعاتي, احاسيسي, خواطري, مشاهداتي, انفعالاتي, ذكرياتي, انقباض وانبساط روحي, كل هذه حكايات ارويها لاولادي حين اعود من الحج, وهي مضافا لما يوصونني به من مقتنيات شخصية, هي هداياي لهم من الديار المقدسة. |