|
|||||
|
|
ما يسود في الفضائيات العربية هو خطاب تكفيري يقسم العالم إلى فسطاطين
د. عبد الجبار الرفاعي
الدوريات الثقافية والقضايا الإشكالية في الفكر الإسلامي المعاصر
ميرزا الخويلدي الباحث والمفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي واحد من المهتمين بدراسة الظواهر الثقافية الإسلامية، فقد قدم عدداً من الدراسات عن المشهد الثقافي في العالم الاسلامي، واصدر في هذا الشأن مجلتين هما «قضايا اسلامية 1994 ـ 1997» و«قضايا اسلامية معاصرة» التي أراد منها «أن تكون نافذة مشرعة لدعاة التحديث الديني والمفكرين غير التقليديين في العالم الاسلامي». وقبل عودته إلى العراق بعد سقوط النظام السابق، عمل الرفاعي استاذاً لمادة الفلسفة واصول الفقه في الحوزة العلمية في قم الايرانية. هنا لقاء معه حول دور المجلة ورؤيته لبعض القضايا الإشكالية في الفكر الإسلامي المعاصر: 1ــــ بعد تسع سنوات من اصدار دوريتكم(قضايا اسلامية معاصرة)ما الذي أضافت هذه الدورية للمشهد الثقافي الاسلامي؟ ما أضافته مجلة قضايا اسلامية معاصرة للمشهد الثقافي العربي الاسلامي يمكن ايجازه في مايلي: أ- حسب شهادة مجموعة من الباحثين والكتاب في الدراسات الاسلامية: انها المرة الأولى التي تحاول دورية فكرية اسلامية اقتحام الحقول المحظورة والمجالات المهملة في التفكير الديني المعاصر. ب- استطاعت ان تتغلب على طائفة من الشعارات والمفهومات السائدة في الادبيات الاسلامية والقومية، التي تصنف الافادة من الدراسات الانسانية والمعرفية الغربية الحديثة وتوظيفها في الدراسات الاسلامية بأنها نوع من الغزو الفكري أو الاختراق الثقافي أو الاستعمار الثقافي أو العمالة الفكرية أو التلوث الفكري أو الحلول المستوردة. لقد تحررت مجلة قضايا اسلامية من تلك الشعارات الهجائية، وعملت على توظيف مكاسب الدراسات الانسانية والمعرفة الغربية في الدراسات الاسلامية. ورأت المجلة ان الغرب الذي نستورد منه الفيزياء، والكيمياء، والرياضيات, وعلم الاحياء, والطب, وكافة العلوم الطبيعية, والعلوم البحته, والتكنولوجيا التي نسخت العلوم الكلاسيكية، لماذا لا نوظف تجربته الانسانية الرائدة في حقوق الأنسان, والحريات, والتداول السلمي للسلطة، في الوقت الذي يدافع أصحاب شعار (الحلول المستوردة) عن فضائح وتعسف سلاطين آل عثمان ويرى سلطنتهم دولة اسلامية، لأن الدولة العثمانية دولة خلافة حسب مزاعمهم، ولماذا لا نستفيد من معطيات العلوم الانسانية الغربية وما انجزته من فتوحات هائلة في كافة الحقول؟! لقد تعاطت النصوص المنشورة في(( قضايا اسلامية معاصرة)) مع القضايا الاشكالية في الفكر الاسلامي بأدوات منهاجية مستعارة من العلوم الانسانية الجديدة, و انفتحت أيضا على اللاهوت الجديد في الغرب، من دون خشية أو وجل. ذلك ان شعارها هو: الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها التقطها. اما فكرة الخصوصية النقية والهويات الطهرانية المغلقة, فتجاوزتها نصوص المجلة الى البحث عن هوية تتفاعل مع العالم وما يحفل به من تغيرات وتحولات عميقة في شتى المجالات. هوية في حالة صيرورة وتشكل ابدي عبر الصيرورة المتواصلة للواقع. ج- تعاطت المجلة مع التراث بجرأة وجدية، وسعت للتحرر من سطوة آراء ومواقف الآباء، فبينما تحرص معظم المطبوعات الاسلامية على اطراء التراث وتكرار مفهومات السلف، والتعليق عليها وشرحها، تحررت قضايا اسلامية معاصرة من ذلك، وعملت بأصرار على مراجعة وتقويم التراث، وتفكيك ما يختزنه من الانساق المغلقة، واكتشاف العناصر والمقولات التعطيلية المنبثة فيه. د- نشرت المجلة حوارات وبحوثا لمفكرين ودارسين شرقيين وغربيين، عربا وايرانيين، مسلمين وغير مسلمين، اسلاميين وليبراليين، شيعة وسنة، مشارقة ومغاربة. وربما كانت المرة الأولى التي تستوعب دورية اسلامية مساهمات مميزة لمفكرين منشقين ـــ حسب التصنيفات الاصولية ـــ مثل: محمد اركون، وعبد الكريم سروش، وحسن حنفي ، ومحمد مجتهد شبستري، ومصطفى ملكيان، فتخطت بذلك الترسيمات المعيارية الصارمة لدى الجماعات الاسلامية. وكذلك تخطت(( قضايا اسلامية معاصرة)) الحواجز المذهبية والجغرافية والاقليمية، فاشتملت ملفاتها على مساهمات لباحثين ومفكرين من سائر المذاهب والبلدان، بنحو أمست صوت المغرب الثقافي في المشرق وصوت المشرق الثقافي في المغرب، وصوت ايران الثقافي في البلاد العربية وبالعكس. هـ - تناولت ملفات المجلة قضايا اشكالية هامة، مثل: التعددية والاختلاف، فلسفة الدين، علم الكلام الجديد، التسامح والتعايش بين الاديان والثقافات، علم اجتماع الدين، انثروبولوجيا الدين، علم نفس الدين، الهرمنيوطيقا وعلوم التأويل، فلسفة الفقه، مقاصد الشريعة، التجربة الدينية، الذاتي والعرضي في الدين، تأريخية المعرفة الدينية, الاطر الاجتماعية للمعرفة الدينية، ماهية الدين، الدين وتطلعات الانسان، مفهوم المقدس والدنيوي، حقوق الله وحقوق الانسان، الدين والتراث في عصر الحداثة ... وغير ذلك. 2ــــ أين ترى موقع الدوريات الثقافية في مشروع التنمية الثقافية العربية؟ الدوريات الثقافية واحدة من أهم الروافد التي تستقي منها التنمية الثقافية، فمن دون صدور مجموعة دوريات فكرية متخصصة جادة، ودوريات ثقافية عامة, لا نتمكن من تجاوز حالة الجهل والأمية المتفشية في مجتمعاتنا. ولا اعني بالجهل أو الأمية المفهوم التقليدي المتداول لهما، فقد تجد في عالمنا الكثير ممن تخلص من الأمية الأبجدية غير انه لم يتحرر من الأمية الثقافية, بمعنى انه لايرى الواقع كما هو، وانما كما يخيل اليه، وحسبما تمليه عليه منظوراته التي تنتمي الى مفهومات ومقولات بائدة. وحتى بعض الدوريات التي تزعم انها ثقافية تعمل على تكريس النزعات التكفيرية، وتشيع افكارا احادية استئصالية، وتتعاطى بارتياب وسلبية مع مكاسب الدراسات الانسانية الراهنة, وتحتكر قراءة ماضوية للدين تعتبرها هي فقط القراءة المترجمة لروح الدين واهدافه، فيما تحكم بالتبديع على أية محاولة اخرى لفهم الدين وتقديم تفسير يواكب العصر للتدين. اننا بحاجة ماسة الى اطلاق العشرات من الدوريات الثقافية وسلاسل الكتب, وتفعيل الصفحات الثقافية في الصحافة الورقية والالكترونية, ومواقع وصفحات الانترنت. 3ــــ كيف تقرأون المستجدات الثقافية في العالم العربي والاسلامي؟ يمور العالم الذي نعيش فيه بتحولات هائلة ومتنوعة، ويبدو اننا في العصور الحديثة ليس لنا دور ايجابي فاعل ومؤثر في تلك التحولات, فموقفنا دائما هو موقف المنفعل، موقف من يهرول وراء الآخرين، واحيانا لايدري اين هو ذاهب. ذلك ان مجتمعاتنا لايهمها ان تتعرف على ما يجري في العالم، وتتوجس من التواصل مع الآخر، وتعمل بإصرار على احداث قطيعة مع ما تحفل به التجارب البشرية الجديدة في مختلف الحقول. وتصطف مجموعات من بقايا النخب القومية مع الجماعات السلفية على الردح واطلاق الشعارات العاصفة، والعزف على مشاعر الجماهير, بغية إلهاب حماسها وتجييشها لتنخرط في صراعات ومعارك موهومة، تقودها الى مزيد من الفوضى والاضطراب والتشرنق والانزواء, والعجز عن المساهمة في صناعة التاريخ. ان المشاهد للقنوات الفضائية العربية مثلا لن يجد على الشاشة سوى خطاب سلفي تكفيري يقسم العالم الى فسطاطين، أو بعض البرامج الرخيصة، بينما تغيب البرامج التربوية والثقافية والتعليمية الهادفة في الغالب. ومن الطريف ان بعض نجوم الفضائيات من الصحفيين وغيرهم يحاول ان يعزف على نبض الشارع العربي, ويتناغم مع الاوهام السلفية, فيما يفكر هو ويتكلم بأسلوب مغاير تماما في مجالسه الخاصة. ومما لاشك فيه ان ازدواج ونفاق الخطاب السياسي والاعلامي سيحدث اختلالات بنيوية في الثقافة والتربية والتعليم, وغير ذلك من هياكل ومرتكزات مجتمعاتنا, ويستدرجها الى التخبط والاضطراب, وتشوهات الرؤى, وانسداد الآفاق. 4ــــ ما هي عناصر النقد ــــ في نظركم ــــ لمفردات الخطاب الثقافي العربي الراهن؟ ان العقل هو النقد، حسب تعبير الفيلسوف الالماني امانوئيل كانط، غير ان الفكر في ديارنا يجري التعاطي مع معظمه باعتباره متعاليا على النقد ومطلقا، وهو بمثابة المقدس. فلا يُسأل الحاكم العربي عما يفعل، وينبري العشرات من الكتاب العرب لتمجيد بعض النصوص التافهه المنشورة بأسم بعض الرؤساء والملوك العرب، وتدبيج مئات الصفحات حولها، كما تعاملوا مع ما كان ينشر بأسم صدام حسين (الذي يسمح لنا غيابه في السجن التعرض له، وإلا لو كان على الكرسي لما تجرأنا في الاشارة اليه) من أحاديث وكتابات زائفة، وبلغ الأمر بمجموعة ممن كتبوا رسائل ماجستير او دكتوراه ان يعتمدوا عليها كمراجع في اعمالهم الاكاديمية، لتكون قنطرة لعبورهم وظفرهم بلقب اكاديمي. التفكير النقدي هو بوابة الاقلاع الحضاري، والمجتمعات التي لا تراجع تراثها مراجعات تقويمية، وتنظر اليه بتبجيل، ولا يهمها سوى تنزيهه والدفاع عن كل ما يحفل به من خطايا وأخطاء، مثل هذه المجتمعات تصاب مسيرتها بالشلل، وتفتقر الى ابسط الحوافز والعناصر اللازمة ليقظتها, خاصة اذا كان هذا التراث بحجم موروثنا الذي اتسع وامتد عموديا وافقيا، بنحو غرق فيه اسلافنا، واستنزف طاقاتهم وحياتهم، باستظهاره ونقله وحفظه وشرحه والتعليق عليه، وبالتالي غابوا عن حاضرهم وجهلوا عالمهم ونسوا الملابسات والتحديات المحيطة بهم. واخشى ان يغيبنا ذلك الموروث عن زماننا, اذا ما لبثنا في محبسه, ولم نتجرأ على الافلات من مشاغله والانخراط في العصر. لقد طغت في الادبيات القومية والسلفية لغة شعرية رومانسية مشبعة بتمجيد السلف، وتبجيل أي شئ ينتمي الى الماضي، حتى شاع تصور حالم لدينا, يبتني على ان كافة معطيات العلوم والمعارف الحديثة مستعارة من ميراثنا، وان السبيل الوحيد لانبعاثنا هو باستدعاء ذلك الميراث واستحضاره كما هو في زمننا. وبالرغم من ان تاريخنا حافل بالمناظرات والجدل الفكري بين المدارس والتيارات الفلسفية والكلامية والفقهية، وحتى داخل التيار الواحد نفسه، لكننا افتقرنا في قرون لاحقة لمثل ذلك الفضاء المعرفي، ولم نعد قادرين على انتاج رؤى نقدية للتراث او الواقع او الآخر، وما راكمناه في القرنين الاخيرين مما يبدو نقدا للآخر لايرقى الى النقد العلمي، بل لا يعدو الاّ ان يكون هجاء وتحريضا وشعارات تعبوية مشبعة بالكراهية، افضت الى عزلتنا وطمسنا في كهوف التاريخ. ان الفكر الحديث كله نقد, فليس هناك فكر وبجانبه نقد, كما يقول المفكر المغربي عبدالله العروي, ومن يريد الحضور في هذا العصر ليس امامه الا ان يتوكأ على النقد في تفكيره, ويطلق عقله من سجونه العتيقة. 5ــــ كيف يصبح الابداع الثقافي العربي اكثر وعيا بالحرية وحقوق الانسان؟ مادام المثقف العربي متحالفا مع السلطة فلا يستطيع وعي الحرية وحقوق الانسان. ان مقولات الاحكام السلطانية توغلت في لاوعينا وصاغت لاشعورنا السياسي، وباتت غاية مطامح المثقف العربي هي ادراك رضا السلطة وتعزيز العلاقة بالحاكم. ان المثقف في بلادنا يمارس دعارة ثقافية عندما يطمس الوجه البشع للسلطة الشمولية، ويتكتم على استبدادها وقهرها للانسان العربي، حين يكثف جهوده في الكتابة والحديث عما يصطلح عليه بالأعداء التاريخيين للامة العربية، ليصرف انظار الناس عن الجلاد الذي يستبيح كل شيء في حياتهم وينتهك كراماتهم . لقد ادهشني العام الماضي حين كنت اتحدث في ندوة في بيروت، عند اشارتي بايجاز لمجازر صدام ومقابره الجماعية، ادهشني ان ينبري بعض المثقفين والاكاديميين المعروفين للدفاع عنه. عندها ادركت ان مجتمعاتنا لما تزل على مسافة قصية من الديمقراطية وحقوق الانسان، مادامت النخبة تنافق فتمتدح الدكتاتور، وتدافع عن الجلاد ، وتستمرئ طغيانه ، فتعمل بالتالي على تزوير الحقيقة، والتستر على فضائح السلطان. 6ــــ كيف تتصور العلاقة بين الثقافة والديمقراطية؟ وهل من الضروري ان ندخل في جدلية: أي التجربتين تجلب الاخرى, أو أيهما اكثر اولوية من الأخرى؟ المجتمعات المتفشية لديها نفسية العبيد تقاوم محاولات تحريرها، ومجتمعاتنا ذات تقاليد راسخة وموغلة في القدم ومستمرة في هيمنة الأنظمة الشمولية التي تقوم على اجتثاث الكرامة، وعبادة الاوثان البشرية، وغرس روح العبودية لدى الشعوب، والسعي لتغذيتها وتكريسها الى الأبد. ولا يمكن توطين الديمقراطية في مجتمع ما الا مع اشاعة ثقافة التعددية واحترام الآخر، والخلاص من التصنيفات العرقية والعصبوية والايديولوجية. ان المفاهيم الاصطفائية التي تبشر بشعب مختار او عرق متفوق على سواه أو فرقة ناجية أو أمة مقدسة أو غير ذلك مما يدعو للاستعلاء، ليس بوسعها ان تتعايش مع الديمقراطية التي تنشد مجتمعا يتساوى فيه المواطنون في حقوقهم، وتتاح لهم حرية الاعتقاد والتفكير والتعبير، ويجري فيه تداول سلمي للسلطة. ولا ريب في أن الثقافة التقليديه وانساق العادات والتقاليد والأعراف يمثل الكثير منها عقبة في طريق بناء مجتمع ديمقراطي تعددي في مجتمعاتنا. الثقافة والتقاليد الذكورية تتعامل مع المرأة بتعسف، وتبرر ذلك بانه يعبر عن هويتنا وخصوصيتنا وأصالتنا، وهكذا تجري تصنيفات اصطفائية متنوعة في مجتمعاتنا، على أساس العرق واللون والدين والمذهب، ولا سبيل الى بناء مجتمع تسوده الديمقراطية, ويتساوى فيه الناس في الحقوق, إلاّ باعادة صياغة رؤى ذلك المجتمع، ومنظوماته القيمية، وتشكيل نمط ثقافي مختلف, يتسع لقبول كافة المكونات الاجتماعية، وتتجاور فيه جميع الهويات العرقية والدينية والثقافية من دون اقصاء او استبعاد. نشر هذا الحوار في صحيفة الشرق الاوسط 9676 الصادر في يوم الخميس 26 مايو 2005 اجرى الحوار: ميرزا الخويلدي |