|
|||||
|
|
السؤال اللاهوتي الجديد
هاجر القحطاني
يهدي عبد الجبار الرفاعي كتابه الاخير (مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد) الصادر عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد الى زوجته (انتزال الجبوري...) والى صديقه (ماجد الغرباوي...) وهو يفعل ذلك اعترافا منه بالدعم العاطفي والمعنوي والفني المتدفق الذي احاطته به زوجته الكريمة، موفرة بود كبير مناخا مثاليا للكاتب في التفرغ لانشغالاته الفكرية واهتماماته الثقافية.
واعترافا ايضا بفضل الثاني في انبثاق الاسئلة، التي ادت الى قدح شرارة الافكار الجديدة في لقاءاتهما الودية الطويلة والكثيرة، التي كانت تاخذ شكل وهوية الحوارات الثقافية العفوية الحرة في الحوزة العلمية في مدينة قم الايرانية، حيث كان يقيم الاثنان منخرطين في مشهد ثقافي عراقي فريد من نوعه، يزاوج بين الهم الثقافي المنتمي الى الثقافة العربية خارج الحدود، والهم الثقافي الايراني ابن السؤال السياسي والمعرفي المهجوس بالتواصل مع الاخر، في بيئة ثقافية وسياسية تميل الى الاختلاف وربما الانقطاع. يؤكد الرفاعي ان تاريخ البشرية هو تاريخ الاسئلة الكبرى، وبالتالي فانه لا ينشغل بالاجابات النهائية، او انها ليست همه الاول في سعيه لتقديم قراءة جديدة للدين، قراءة متخففة من الارث التاريخي الكبير الذي يثقل ظهرالدين والمتدينين في هذا العصر، وقراءة ملتحقة بالركب المعرفي والعلمي الحديث، تتبنى اساليبه في البحث والتقصي والاستفهام والاستدلال والاستنتاج، في حرص واضح على عدم التفريط بالدين والحفاظ على الايمان، الامر الذي يميز عبد الجبار الرفاعي والتيار الذي ينتمي اليه، او بالاحرى يمثله، باعتباره رائدا فعليا له، تبنى ابرازه ولفت النظر اليه في مجلته المتميزة (قضايا اسلامية معاصرة) وسلاسل الكتب المتعددة الرديفة لها. ان كتاب الرفاعي يترجم هموم وتطلعات ومواقف وافكار هذا التيارالديني، الذي بدأ يتبلور بشكل تدريجي في الحوزة العلمية في قم وسط طلاب الدراسات الاسلامية من العراقيين، ولديه تطلعات تنويرية وتحديثية، انبثق مع بداية التسعينات من القرن المنصرم، واتضحت ملامحه في منتصف ذلك العقد، متأثرا بمحاولات تحديث التفكر الديني في ايران على يد مجموعة من المفكرين المعاصرين. ويمكن اعتبار هذا التيار وريثا معاصرا لتيار ظهر في النجف قبل اربعين سنة وتجلى بجهود تنويرية لمحمد رضا المظفر ومحمد باقر الصدر في العراق، ولاحقا السيد محمد حسن الامين، والسيد هاني فحص، والسيد محمد حسين فضل الله، والمرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين في لبنان. غير انه بالتاكيد يشكل نقلة نوعية كبيرة، لان التيار السابق كان مهموما بتجديد النمط التقليدي للتعليم الديني في الحوزة العلمية بالدرجة الاولى، اما التباين الاساسي بين الاثنين فيكمن في الموقف من تسييس الدين، اذ بينما كان البعض من الاوائل يتبنى الاسلام السياسي، فان التيار الجديد يقول انه حرر نفسه منه، وهو يدعو الى تطهير التدين من منطق الوصاية، ومن وثوقية الايديولوجيا واكراهاتها. يطرح هذا التيار اسئلته حول القضية اللاهوتية التي يراها تمثل الجذر لكل البنيات الفوقية في الفكر الديني، وبذلك فهو يهتم ببناء لاهوت يدعو يدعو الى تحرير صورة الاله مما طمسها من تفاسير وشروح تراكمت عليها عبر العصور، وتشكلت في سياق صراعات ومناخات ثقافية سادت القصور السلطانية، والتي عملت على صياغة صورة زائفة عن الاله، ولذلك يبحث هذا التيار عن صورة لاله رحيم يشيع السلام، اله رفيق بالعالم الذي خلقه، يمنح الانسان حريته في اعمار الارض، بما يشبه استئنافا للنزعات التنويرية في التراث التي تمنح العقل مرجعية واسعة، والانسان حرية كبيرة، داعية الى علاقة حرة بين الانسان والاله. وتبدواهمية هذه القراءةفي انها تحرر الدين من الظلامية وتقدم نمطا متسامحا للتدين، ينفتح على كل الناس بشفافية دون حساسية عرقية او طائفية. لكن هذا لا ينفي اهمية مشروعات رائدة في العصر الحديث عملت على الانتقال بالتفكير الديني الى مديات ارحب وابعد مدى، وان كانت بعض هذه المديات مشغولة بفكرة الدولة الدينية، الا انها بكل حال اسسست للانتقال الى فضاء فسيح، مماسمح للقادمين بتخطي هذه المديات نفسها والعوم في فضاءات اوسع، مكنتهم من مراجعة نفس هذه المديات، ومن ثم تقديم قراءة جديدة لها، في محاولات جادة لتجاوز المشاغل السابقة والانتقال الىهموم معرفية مختلفة، وهي هموم تتوكأ علىالنقد والمراجعة، وتعمل على نحت الاسئلة وتوليدها باستمرار، كما يصرح عبدالجبار الرفاعي في مقدمة كتابه قائلا: في هذه الصفحات يرتسم شيء من ملامح نمط التفكير الذي أسعى لإعلانه ومناقشته، قبل ان اطمح للتبشير به، أو حمل الغير على الاقتناع به. انه تفكير يتسلح بالنقد والمراجعة، باعتبار الفكر الحديث، الذي حقق المكاسب الهائلة في العالم،كله فكر نقدي. كذلك يتسلح هذا التفكير بإثارة السؤال، والبحث عن الاستفهامات الحائرة والقلقة والمثيرة، لأن تطور الفكر البشري يقترن دائما بالأسئلة الحرجة والاستفهامات الحائرة. وان السؤال الجديد يوقد عملية التفكير، ويقحم الذهن في مغامرة البحث في الحقول المهملة أو المجهولة أو الممنوع التفكير فيها. ولا مطامح لما ورد في هذا الكتاب سوى الدعوة لإعمال العقل، والتنبيه الى ضرورة التدبر والنظر فيما ورثناه من معارف، واشاعة تقاليد جديدة تهبنا الجرأة وروح الاقتحام، لمراجعة ما لدينا من مفاهيم، وغربلة واختبار التراث، وماتركه لنا السلف، وبالتالي التحرر من سطوة مقولات أولئك الذين كانوا يكبحون العقل، ويحرّمون على المسلمين الخوض في أية استفهامات لاهوتية، بذريعة (إلجام العوام عن علم الكلام)، خلافا لمنطق الوحي الذي يحث كافة الناس، من دون تمييز بين طبقاتهم ومراتبهم، على: التفكر، والتأمل، والنظر، والتدبر....الخ. وكل ما تحتوي عليه هذه الصفحات هو مقدمات وتمهيدات تسعى لاجتراح أسئلة، والخلاص من أية سلطة معرفية تعمل على كبح العقل ومحاصرته، بغية الكف عن إثارة الاستفهامات وتعطيل التفكير تحت أية ذريعة، فقد خلق الله الناس احرارا، ومنحهم قابلية التفكير، ولم يحظر عليهم أي سؤال، مهما كان مشاغبا أو مستفزا، كما يحكي لنا كتابه الكريم. وبالرغم من تنوع المساهمات المنشورة في الكتاب غير انها بمجموعها تلتقي في قضية تجديد مناهج الاجتهاد في المعارف الاسلامية، وتنمية مجالاته ليمتد الى علم الكلام او ما يعبر عنه الكاتب باللاهوت. ففي الفصل الاول يتناول ما يسميه بعلم الكلام الجديد، ويتحدث عن مبررات تحديث التفكير الكلامي وبناء علم كلام بديل لعلم الكلام الكلاسيكي، ويلخصها في: 1- هيمنة المنطق الأرسطي 2- النزعة التجريدية أو الفصام بين النظر والعمل 3- تفريغ علم الكلام من مضمونه الاجتماعي 4- تراجع دور العقل وشيوع التقليد في علم الكلام ويضيف الرفاعي الى تلك المبررات مبررات اخرى تتمثل في اعتماد الكلام القديم على الطبيعيات الكلاسيكية، والاستناد إلى معطياتها كحقائق نهائية، بينما نسخت العلوم الطبيعية الحديثة معظم الإفكار والفرضيات التي قامت عليها الطبيعيات بالأمس، وبرهنت الاكتشافات الحديثة لقوانين الطبيعة على أن الكثير من فرضيات تلك الطبيعيات وأفكارها أوهام محضة. كما أن الكلام التقليدي اقتصرت أبحاثه على مجموعة مسائل، ولبث الخلف يكرّر هذه المسائل ذاتها، ويفكر في داخلها، حتى تكونت لها حدود صارمة، لم يجرؤ أحد على تخطّيها، وصار مدلول العقيدة هو تلك المسائل خاصة، واتخذ المتكلمون نسقاً محدداً في ترتيبها، وظل هذا النسق هو هو في المدونات الكلامية. وقد أدّى ذلك إلى حجب مباحث هامة في علم الكلام، لعلّ من أبرزها مبحث الإنسان، فلم يدرج في مؤلفات المتكلمين مبحث خاص بالإنسان، يتناول تأصيل موقف نظري يحدّد موقع الإنسان في سلم المخلوقات، أي منزلة الإنسان وقيمته بالنسبة إلى غيره من المخلوقات، كالملائكة والجنّ وغير ذلك، والهدف من وجوده، وطبيعة وظيفته، وأنماط حياته، وثقافته، وعيشه، وعلاقتها بما يتشكل لديه من رؤية كونية، وما يرتبط بذلك من مسائل، بينما نجد قضية الإنسان تتصدّر القضايا التي يعالجها القرآن. على أن أهمية هذه القضية تتنامى مع تطوّر الحياة الاجتماعية، وشيوع ألوان القهر والاستبداد، وامتهان الإنسان، وإهدار كرامته، وتدجينه على المفاهيم والقيم الرديئة، فما لم نتوفر على صياغة رؤية كونية تفصح لنا عن مكانة الإنسان، وتحدّد نوع علاقته بالدين، وتؤكد أن الدين جاء لتكريم الإنسان وهدايته وخدمته،تغدو دعواتنا لتحرير الإنسان مجرّد شعارات لا مضمون لها. اما الفصل الثاني فيبحث ضرورة الاجتهاد في علم الكلام، ويشدد على ان المعرفة الكلامية معرفة تاريخية هي مرآة للعصر الذي ولدت فيه، لان علم الكلام يعبر عن فهم المتكلمين للعقيدة، وفهمهم كأي معرفة بشرية يصطبغ بطبيعة الزمان والمكان، والنمط الحضاري للحياة، ومستوى تطور العلوم والمعارف الأخرى، وان انتماء علم الكلام للاسلام انما هو كإنتماء المعارف الاخرى، أي بمعنى انه معرفة انتجها المسلمون، مثلما أنتجوا الفلسفة، والتصوف والعرفان، والفنون، والآداب،... وغيرها، ولا يبرر انتاج المسلمين لتلك المعارف تعاليها على النقد والمراجعة؛ لان انتسابها الى الاسلام ليس سوى كونها ولدت في فضاء التجربة الاسلامية، وفي سياق مسار حضارة المسلمين. ولعل علم الكلام من أوضح ما أنجزه عقل المسلمين في تشبعه بالمؤثرات السياسية والثقافية المختلفة للمحيط الذي ولد فيه، وهذا ما يحكيه الاختلاف والتباين الفاحش في المقولات الكلامية. لكن اهمية علم الكلام تكمن في اطلاق حرية الاجتهاد العقائدي، واختلاف المقولات ووفرتها تجسد وجهات نظر متنوعة أفضى لـها التفكير الكلامي، مضافاً الى انها علامة فارقة على منح كل مسلم الحق في اختيار عقيدته، بل وحرمة تقليد الغير إن حظر التفكير الكلامي، والاقتصار على ظاهر النصوص، ومنع أية محاولة لعقلنة الفهم العقيدي، يفضي الى تعطيل العقل، وشيوع نزعة نصوصية اخبارية تبناها المحدثون، وروّج لـها ودعمها بعض الخلفاء الأمويين في فترة مبكرة من التاريخ الاسلامي، وبالتالي سيادة التقليد في أصو ل الدين، بالرغم من ان هذا النوع من التقليد لم يقل بجوازه أحد سوى هؤلاء، فقد أجمع المتكلمون على منع التقليد في الاصول، واستدلوا بالعقل تارة وبالكتاب الكريم تارة أخرى. وتعالج فصول الكتاب الخمسة عشر قضية تحديث التفكير الديني، وتتناول موضوعات متنوعة تلتقي بمجموعها في صياغة استهامات لاهوتية لم تكن معروفة من قبل. ولعل الميزة الاهم في هذا الكتاب هي محاولته التحرر من النزعة الجزمية والاحكام المطلقة الشمولية التي تطبع ادبيات وكتابات الاسلاميين، مثلما تفصح عنها عناوين كتاباتهم حين يسمونها ب(كفاية ... او نهاية...او منتهى ....) بينما يسمى عبدالجبار الرفاعي كتابه بأنه (مقدمة) ويصفه بأنه يطرح سؤالا لاهوتيا (في السؤال اللاهوتي...) ولا يعد باجابات جاهزة ونهائية. وان كان المؤلف لم يتحرربشكل تام من التفكير اللاهوتي، ويفتقر الى روح المجازفة والمغامرة المعرفية اللازمة لاية محاولة للتحديث،ربما بسبب انخراطه حتى اليوم في الحوزة العلمية، ومواظبته الحرفية على اداء الطقوس والشعائر والمراسم الدينية... مجلة اسلامية المعرفة |