عبدالجبّار الرّفاعي: المراهنة على استعادة العقل في الخطاب الدّيني

نادر المتروك
لا يُواري عبدالجبّار الرّفاعي (مواليد العراق 1954م) حقيقة أنّه تغيّر. في العراق، تفاجأ كثيرون بطلّته الفكريّة الجديدة،
ولكنه كان يعلم أنّ الحجاب السّميك الذي عاشه العراق كان يجعل من أحواله الجديدة بعيدة عن المشهد الدّاخلي، كما أنّ الصّورة التكراريّة التي اعتاد عليها المستمعون الأوائل للرّفاعي تجعل من أحواله المتغيّرة أمراً يبعث على ما هو أكثر من الاندهاش السّلبي. يعبّر الرّفاعي عن جيل متحوّل، ربّما يكون شديد التّحول، ولكنه يملك كلّ علامات الصّدق في تحوّلاته. بمعيّة أسماء أخرى، مثل ماجد الغرباوي (انظر حوار 'الوقت' مع الغرباوي، ع,200 /2007) كان الرّفاعي يهيّئ التّربة لإنتاج أكثر الأسئلة خطورة داخل الفضاء الدّيني التقليدي، واستطاع بفضل ثقافته المتحرّكة أن يكسب أكثر من موقع في هذا الفضاء. أحدُ كبار فقهاء قُم قال، وهو يسمع أخبار العراقيين 'المتحوّلين' على طريقة الرّفاعي، بأنّهم 'بدّلوا جلودهم تماماً'. بالنسبة إليه، وعدا شهادة 'الزّراعة' التي انتقلَ إليها إلى 'حقول' المعرفة الدّينيّة؛ يرى الرّفاعي أنّ المسألة عبارة عن 'تكامل وحيويّة'. الخياراتُ الفكريّة التي تغيّر إليها الرّفاعي لم تكن تمرّداً حقيقيّاً، وخروجاً مطلقاً عن الأصول. أغلبُ أفكاره الجديدة تنتمي إلى مدارس التّحديث الدّيني التي ترعرعت، ولازال تخوض مخاضاتها الطّويلة، في إيران. ليس اعتباطاً أن يُدير الرّفاعي حالته الفكريّة الرّاهنة من خلال مركزه المسمّى 'مركز دراسات فلسفة الدّين'. فها هنا، لابد أن يستعيد العقل مكانته، وأن تُمنح للمراجعات النقديّة دورها المحوري في بلورة الأفكار، وصياغة الرّؤى والمناهج والفلسفات.

لم يدفع الرّفاعي بنفسه إلى حدود الاشتباك المجاني، وكثرة الإدعائيّة والمشاكسات مع المؤسّسة الدّينيّة التّقليديّة. لقد انخرط فيها طالباً ومدرّساً، ومن خلالها اكتشف الحاجة للتجديد وإحداث النّهضة والإصلاح، ولكن ليس بغير الاستشفاع بالعلم والمعرفة والقدرة على الإنتاج الفكري الرّزين. على هذا النّحو كان استكمال دراساته الأكاديميّة العليا، وسعْيه غير المنقطع لإصدار 'أرقى' الدّوريّات الفكريّة في إطار التحديث الإسلامي المعاصر؛ فيما عبّرت عنه 'قضايا إسلاميّة معاصرة' وملحقاتها. علم الكلام الجديد، وفلسفة الفقه، وإطلاق السؤال اللاهوتي الجديد، وتحرير الدّين من موروثات الظلام والكراهيّة، وتاريخيّة المعرفة الدّينيّة، والانفتاح على أحدث العلوم والنقديّات.. كلّ ذلك يستعين به الرّفاعي ليُحقّق غرضاً مركزيّاً هو 'اجتراح أسئلة، والخلاص من أية سلطة معرفيّة تعمل على كبح العقل ومحاصرته، بغية الكفّ عن إثارة الاستفهامات وتعطيل الفكر تحت أية ذريعة، فقد خلق الله النّاس أحراراً، ومنحهم قابلية التفكير، ولم يحظر عليهم أي سؤال، مهما كان مشاغباً أو مستفزّاً، كما يحكي لنا كتابه الكريم'. إضافة الجدّية الفكريّة، فإنّ الرّفاعي لا يقع في التنطّع والتّبشيريّة. إنه يُعلن عن أفكاره ويدعو لمناقشتها، ولكن وفق منطق العلم وبراهين المعرفة.

صحيفة المثقفwww.almothaqaf.com / العدد: 993 الجمعة 27/02/2009