|
|||||
|
|
قراءة في كتاب مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد
علي عطوان الكعبي
من خصائص المعرفة العديدة قابليتها على السعة والامتداد في طواعية لا تقف عند حدود معينة. وهي بهذا تمنح العقل مثابات عديدة للتزود والاستقراء والاستكشاف يتوقف فيها متدبراً ومراجعاً ومتفكراً فلا سلطة الا سلطته ولا قول الا قوله، يثير اسئلته وينطلق في اقاصي المعرفة باحثا عن اجاباتها، ولعل اكثر تلك الاسئلة اثارة للعقل وتحفيزاً له هو عالم اللاهوت ذلك العلم الذي ظلت الدراسات النقدية زمناً طويلاً بعيدة عن الخوض في اسراره لخصوصيته الضيقة احياناً، ولما يكتنفه من محاذير اشكالية احيانا اخرى واللاهوت مفهوم يوناني يتكون من كلمتين تعنيان الله والكلمة وعند مزجهما تكون كلمة لاهوت فهو علم دراسة الاإلهيات دراسة منطقية وعلم مثل هذا لم يتعرض له الكثيرون بالدراسة والتحليل في الدراسات الاسلامية.
وفي كتابه مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد الصادر عن مركز دراسات فلسفة الدين، المطبوع في دار الهادي ببيروت، يحاول الدكتور عبد الجبار الرفاعي، ايجاد مقدمات وتمهيدات تسعى باسئلتها الى الخلاص من اية سلطة معرفية تعمل على كبح العقل ومحاصرته وكفه عن إثارة الاستفهامات وتعطيل التفكير تحت اية ذريعة اخرى من خلال الاقتراب من هذا المفهوم في دراسات عديدة تؤدي في حيثياتها الى اعطاء القارئ صورة قريبة عن ذلك. الكتاب يضم مجموعة من دراسات كتبها الكاتب، في مجلة قضايا اسلامية معاصرة التي كان يرأس تحريرها، كمقدمات او تصدير لبعض المؤلفات المنشورة في سلاسل الكتب الرديفة لقضايا اسلامية معاصرة او اوراق مقدمة في ندوات ومؤتمرات، جاء الكتاب في خمسة عشر فصلا تناول فيها موضوعات عدة، ففي الفصل الاول من الكتاب يستعرض في تمهيد تاريخي لعلم الكلام الجديد الذي تبلورت نواته الاولى في فضاء الاستفهامات، وما احاط بها من جدل وتأمل في مدلولات بعض الآيات القرآنية المتشابهة التي تتحدث عن الذات والصفات والقضاء والقدر اذ يرى الباحث ان الحروب الداخلية في المجتمع الاسلامي كان لها اثر هام في تطوير النقاش في الموضوعات العقائدية وتوالد اسئلة جديدة تمحورت حول حكم مرتكب الكبيرة وخلق افعال العباد وحرية اختيارالمكلف وكذلك الفتوحات التي عملت على ادخال شعوب عديدة في الاسلام، اثرها الواضح في ذلك ويرى الباحث في النزعة التجريدية او الفصام بين النظر والعمل ان موضوعات الكلام الاولى التي تبلورت تأثرت كثيراً باسراف المتكلمين في استعارة منهج المنطق الارسطي وتوظيف مفاهيمه في صياغة علم الكلام، فنجم عن ذلك تشرب التفكير الكلامي بمنهج هذا المنطق فانحرفت وجهته. ويتناول الباحث في الفصل الثاني الاجتهاد الكلامي الذي يرمي الى دراسة التراث بموضوعية وامانة والتحرر من التحيزات الطائفية والقبليات المذهبية في البحث، فالدراسة العلمية الموضوعية للتراث تتطلب التوفر على خبرة ودراية في التعاطي معه، واستلهام روحه وعناصره الحية والقدرة على توظيفها في منظومة الافكار الكلامية الراهنة, ويتعرض في الفصل الثالث الى فلسفة الفقه الذي يرى انه كأي علم آخر تنوعت الاجتهادات في تحديد معالمه وبيان حدوده وتشخيص موضوعه واكتشاف منهجه ولكن هذا العلم حين عجز عن الاجابة عن الكثير من الاستفهامات، حفز بعض الدارسين لتحليل تلك الاستفهامات واقتراح مجموعة رؤى ومفاهيم تصلح ان تشكل بنية تحتية اولية لتدشين علم جديد خارج مجال الفقه واصوله. وفي الفصل الرابع يتناول الباحث تحديث التعليم الديني في الحوزة العلمية والتمهيد لانبثاق السؤال اللاهوتي الجديد حيث يحدد ان تاريخ الحوزة العلمية في النجف يمتد الى ما يقارب الف سنة حين بدأ الدراسة فيها الشيخ ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفي 460هـ ، ومنذ لك التاريخ اضحت النجف حاضرة علمية، فالحوزة العلمية لم تتردد في السعي لاصلاح التعليم الديني على عدة مستويات كالتحديث الشكلي والمحاكاة الحديثة لصيغة التعليم الجامعي وتحديث يطاول بنية المعارف الاسلامية والتمهيد لانبثاق السؤال اللاهوتي الجديد. وفي الفصل الخامس يبين الباحث تحرير الدين من الكراهية حيث يجري في الادبيات المتداولة لدى الاسلاميين خلط بين الاسلام بمعنى نص الكتاب والاسلام بمعنى التراث المدون للمسلمين عبر التاريخ والاسلام بمعنى التجربة التاريخية للاجتماع الاسلامي في حين ان مراجعة عاجلة لنموذج الادبيات السلفية توضح ان هذه الادبيات بقدر ما تتحدث عن مناهضة الاخر فانها تتكتم على مساحة شاسعة في النص تتحدث عن الرأفة والرفق والعفو. وتناول في الفصل السادس اسلامية المعرفة مفهومها ومسارها، اذ ظهرت الدعوة الى تبني اتجاه على كتابة العلوم من وجهة اسلامية واسس اسلامية للعلم وصياغة العلوم الاجتماعية صياغة اسلامية ايضا. في حين تناول الفصل السابع الاستيعاب النقدي للتراث والمعرفة الحديثة، فالباحث بين ان التعاطي النقدي مع المعرفة الحديثة يتوارى خلفه موقف تبجيلي يغيب فيه النقد ازاء التراث الى درجة عدم العثور على دراسات نقدية جادة للتراث الاسلامي بينما تتراكم الكتابات في نقد الغرب وهجاء حضارته وقيمه وعلومه وفي الفصل الثامن يتعرف الباحث الى راهن التفكير الكلامي الذي هو على الرغم من الاهمية القصوى له الا ان الدارس لا يعثر على مؤلفات متميزة، وما ظهر من مؤلفات في السنة الاخيرة لا يوجد فيه كتابات اجتهادية الا في مساحات ضيقة جداً، فباب الاجتهاد ما زال موصداً في الفقه لدى معظم طلاب العلوم الشرعية. فكيف بفتح باب الكلام الاجتهادي، وبين الباحث في الفصل التاسع الاتجاهات الحديثة في التفسير مقاربة تاريخية ان المصلحين من علماء الامة اتفقوا في العصر الحديث على ان ايقاظ الامة واستنهاضها لن يتحقق من دون العودة الى القرآن الكريم والتمسك به من خلال الاتجاهات الحديثة في التفسير، كالتفسير العلمي والتفسير الادبي والتفسير الموضوعي والتفسير الاجتماعي. وتناول في الفصل العاشر النظام الثقافي العربي الراهن، اذ يشير الى ان بداية ذلك النظام كانت في نهاية القرن الثامن عشر، عندما غزا نابليون مصر ولكنه يؤكد ان هذا الاعتقاد يعبر عن تفسير تبسيطي للتحولات الفكرية والاجتماعية. لان مثل هذه التحولات لا ينفرد بها عامل واحد انما يساهم في انتاجها نسيج معقد من العوامل الظاهرة والمستترة. وتعرض الفصل الحادي عشر الى المشهد الثقافي في ايران، حيث بين ان رصد الاتجاهات والتحولات الكلامية والفقهية والفكرية في ايران لا يمكن رصدها بسهولة لان وتيرة التغير الاجتماعي والثقافي تسارعت بشكل كبير وبين الباحث في الفصل الثاني عشر ان تاريخ الفكر الانساني هو تاريخ الاسئلة الكبرى، من خلال حوار مطول اجري معه، تحدث فيه عن رحلته العلمية وعن دراسته في الحوزة العلمية ومجلة قضايا اسلامية معاصرة.وعن اقامته في المهجر والترجمة وفي الفصل الثالث عشر يتعرض الباحث الى قراءة المشروع الاحيائي للافغاني، اذ يرى ان الكثير من مفاهيم الفكر الاسلامي الحديث يرجع الى افكار الافغاني وينبثق في فهمه الجديد للدين ووظيفته في حياة الانسان. وفي الفصل الرابع عشر يتناول الباحث حياة ورحلة الانثروبولوجي الحاج جلال آل أحمد في مكة مستعرضاً فلسفة الحج لديه من خلال رحلته الى مكة ومراحل تكوينه المعرفي واهمية الرحلة في ادب الرحلات وفي الفصل الخامس عشر يتناول الحج كمرآة للتاريخ البشري في رؤيا المفكر علي شريعتي الذي حاول صياغة فلسفة تاريخ محورها حركة الانبياء، وخاصة ابراهيم وتجربته الايمانية العميقة وطبيعة المنعطفات الهامة في حياته. والكتاب على الرغم من انه لم يتعرض الى اللاهوت بشكل مباشر كمفهوم وعلم الا ان الباحث حاول مجتهداً التوصل في مقاربة قرائية من وجهة نظر اسلامية قامت على شرح وتفسير واستعراض مفاهيم غاية في الاهمية. لصياغة مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد. مجلة الشبكة العراقية( بغداد) العدد92(21/12/2008) |