|
|||||
|
|
الشيخ عبدالجبار الرفاعي وقضاياه المعاصره
عبداللطيف الحرز
(( ذات مرة كنتُ في مكتبة ابن عربي اقرء تهكمات فصوص الحكم : الموت عين اخرى لفضيحة الحق .. في عباءة امي سر الوجود ... الفقهاء يتبعهم الغاوون !!)) - نص بعنوان (( مطالعه )) ضمن ديوان (( آخر الاسلحه)) / عبداللطيف الحرز (1) ..الغريب اني الى اليوم كلما تذكرتُ عبدالجبار الرفاعي فاني اتذكر (( اللحم )) , اي انني اخضع لعملية اقتران شرطي كما كان يحصل لكلب عمنا الروسي بافلوف تماما !! ... هو امر مضحك ومثير للشفقة , لكن ماذا افعل هذه هي حياتي وحقيقتي .. فانا عشتُ ستة سنوات في ايران لم اذق فيها اللحم الا خمس مرات اثنان منها من يد الرفاعي .. المرة الاولى لتذوق اللحم كانت من يده واخيرها من يده ايضا حيث اعطتني زوجته كيس كان من الصعب جدا ان اشرح لامي كيف حصلت عليه.. ثم تبين ان امي قد نست كيف تطبخ اللحم فنحن منذ ان توفى والدي منذ زمن بعيد, لم نتعامل مع هذه المادة المعجزه التي لاتشبه الباذنجان ولا البطاطا !!... ماهو مثيرانني كنتُ ( ولازلت) ابغض فصيلة الكلاب لكونها ذليلة مطيعة واعشق فصيلة القطط لكونها عنيده لذا بقيت عنيد رغم ان فرصة اكل اللحم شيء لاتعوض لشخص توسد الرصيف طويلا ... لا لم اعض اليد احسنت الي, فقد كنتُ اكثر وفاء من اي شخص تعامل معي .. اذ اني احرص على صدق العلاقة دائما .. لكني لااستطيع ان ارضخ بان الوفاء هو ان يعلق الاخر حبلا برقبتي وامشي خلفه.. هذا كل شيء . (2) كنا(كما الان ) اصغر من حفنة تراب واحدة , وكان هو اكبر منا بمقدار جبل ... شيخ كبير متشعب العلاقات .. ونحن مجرد صبية من المراهقين لاتاريخ لهم قادمين وذاهبين الى لامكان ولا زمان ... حينما وصل قطار المسحوب بالخيول المعاقة , بالمعارضة العراقية الى التسعينات من القرن المنصرم .. كان الشيخ عبدالجبار الرفاعي ( وهو من ابناء مدينة الناصرية في العراق ) يحاول ان يقفز من هذا القطار .. اذ بات يقيناً ان الدرب انتهى بالمعارضة العراقية الى حيث بدأ اي: لاشيء .. وال((لاشيء)) هذا ليس عدم محض في السياسة وانما في الاخلاق وبنية الانسان من الداخل , خصوصا ونحن نفترض الحديث عن معارضة ادعت لنفسها طويلا بانها جزء لايتجزء من الدين والاصلاح الديني ... فاذ يطوي القرن العشرين عباءته فانه لم يلملم سوى الريح والفراغ من عمل طويل وتضحيات جسيمة قدمها الشعب العراقي لهذه المعارضة ... الامور رقميا كانت تسير نحو العودة الى استبدال الارقام الطويلة بالاصفار فقط (=عام 2000) .. حتى العمل بات مرتبط بجهاز بنيته الاساسية هو رقمين فقط : الواحد والصفر (= الكمبيوتر ) ... لكن في حين يكون الصفر الى اليمن يعني تضخم العدد وثراءه , فانه الى الشمال يدل على الخواء والفضيحة ... تاريخ المعارضة العراقية بات صفر .. وصفر على الشمال تحديدا ... لم تكن هنالك ارقام تجاور الصفر .. وانما مجرد جثث في السجون والاهوار وعوائل وشبان مشردون يقتلهم العوز والفقر , فيما تزداد بطون زعماء المعارضة تكرشا ... ومن ينافس الزعيم العراقي تكرشا ؟!! .... في مركز المدن الايرانية والسورية والدول الاجنبية كانت تصدر عدة قراءات لعمل المعارضه , لكننا نحن الذين كنا نعيش في الاهوار ساعة اذ كنا نقرأ الامر بطريقة مختلفة تماما .. حيث سوف يسقط اسطورة معارك الاهوار .. الفتى الشهيد (( محمد هني الياسري )) ... يسقط لوحده هو واخوه هادي ... كقذيفة تنوير تفضح لنا بان اسوار جبهات المعارضة باتت دكاكين للارتزاق واسواق للدعارة ... ولسوف تتبدل الارض غير الارض ويمضي زمن طويل وتقرأ لي احد صديقاتي شعر كاتبه لبنانية الاب عراقية الام اسمها سوزان عليوان , تقول : (( خفاش يسأل الليل : لماذا قاس هكذا يا أبي ؟!)) وسوف تضحك الفتاة مع صويحباتها .. فيما نحن الفتيان سوف نبكي .. نبكي .. فقد كانت هذه الحسرة الاخيرة لاصدقائنا الذين سبقونا الى سترالموت فيما بقينا نحن على قيد فضيحة الحياة ... كانت حكومة حزب البعث ليل ادهم .. لكن المعارضة كانت هي الخفافيش التي لولا هذا الليل لم تظهر ولم تعش ولم تكبر ... هذا تماما ماقاله لنا الهور ونحن صبية لم ينبت الشعر في ذقونهم وعاناتهم , نقاتل رجالات صدام حسين لا من اجل استرداد سلطة .. وانما من اجل اعادة المياه الى الاسماك والجاموس والبط والطيور فقط .. حفنة من الماء لأمنا المعيدية المسماة بالارض .. كنا نريد من صدام ومن معارضته .. حفنة ماء مقابل اطنان الدماء تلك .. حفنة ماء فقط .. فقط .. لكننا نحن ابناء الرافدين وشط العرب .. كنا نتساقط من شدة العطش !! ... اليوم يقال ان المياه قد بدأت تعود الى الاهوار .. لكن من سيعيد الاسماك والطيور التي ماتت ؟!... هل هنالك شاب في العراق يستطيع ان يدفع ((المشحوف)) ببردية القلب ويتحسس اين سقط محمد هني الياسري .. كي يسمع صوته يلفظ اسماء قتلة وسفاحين الشعب العراقي الجدد اليوم يزاولون القتل والاعتداء على الناس كما في السابق؟!.. آااه هل هنالك من يسمع ويفهم ... آااه لو كان هنالك من يعي ويفهم لاكملة له هذي الحكاية .. ياااه الى متى اعض على قلبي واصيح : لوكان ....لو ...؟! (3) بذلك كان على ثلاثة هجر العمل الحزبي في المعارضة العراقية : 1_ صاحب الضمير والحس الانساني , الذي لديه شعور بالمسؤلية 2_ صاحب الارتباط الديني حقيقة وليس اداعاءا , والذي يؤمن بان اخذ ثمن بلا عمل حرام , وان هنالك رب واله سوف يحاسبه على تعاونه مع هذه المعارضة التي هي ليست سوى الوجه الاخر للطاغية وحكومة صدام حسين 3_ طالب العلم الذي لايرضى منح اسمه لمعارضة لاتأثير لها على حكومة حزب البعث حقيقة , فيتحول الى كاتب تبريرات ودعايات لطغات المعارضة عوض ان يكون موظفا عند الطاغية وعبدالجبار الرفاعي كانت تتوفر فيه هذه الاسباب الثلاثة جميعا .. فكان امر انفصاله عن حزب الدعوة قد بات بحكم الضرورة الاخلاقية والدينية والعلمية ..... لم اكن تليمذا في درسه واحد تلامذته , لكني كنتُ ارقبه من بعيد .. شيخ لايدع لحيته وشواربه تنبت ويفضل القاط على العمامة .. شكله جنوبي مألوف القسمات والملامح يشع بالطيبة عفوية .. سريع الضحك والبكاء مثل جميع ابناء الجنوب العراقي تشكف انه كان ينتمي الى الطبقة الفقيرة من المجتمع .. شيخ مثقل بالورع الديني .. شخصيته نادرة التوازن والعفة والترفع والابتعاد عن صغائر الامور وتوافهها ... لذا كان يعرف نفسه بانه (( عبدالجبار الرفاعي )) بلا عقدة ذكر حرف الالف (= استاذ ) ولاعقدة حرف الدال ( = دكتور) ... كما فعل جملة من الكتاب الذين بلغ بهم الامر شراء الشهادات العلمية المزورة من بيروت او غيرها جائت اهمية الرفاعي الاولى من كونه تلميذ قديم في الحوزة ومنتم معتق لخلايا حزب الدعوة الاسلامية .. فهو قد درس في النجف وعاصر محمد باقر الصدر ومحمد صادق الصدر .. ثم عاش الرفاعي في الكويت وفي هذه الفترة توطأت علاقاته مع رجالات الحزب اكثر ... لكن وبعد حادثة محاولة اغتيال شيخ الكويت وتصويب اصبع التهمة الى حزب الدعوة فر الرفاعي وبقية الكوادر الى سوريا .. وهنا توسعت علاقته .. لينتقل بعدها الى مدينة (( قم )) في ايران ,هناك حيث بدأت عملية تكوين حوزة عراقية اتسم طلابها بسمات اخرى لم تكن موجودة في تاريخ الحوزة في العراق من قبل .. ف((الحوزة )) مؤسسة دينية لها اهمية خاصة لمن يريد تفكيك بنية الشعب العراقي , وانه لمن الخطأ فصل هذه المؤسسة عن المجتمع حينما نريد التعرف على سسيولوجية او سيكولوجية هذا الشعب , فهذه المؤسسة كانت اشبه بقلعة الجيتو اليهودية العازلة نفسها عن كل شيء وتبث الاوامر من بعيد .. فكانت الحوزة بمثابة قلعة سحرية للكثير من الشباب بل والمشايخ ايضا .. وهو مر يعد احد الروافد الاساسية في سبب رؤية الكثير من اهل العراق بان الاصلاح لابد ان يكون تحت وصاية رجل منتمي لهذه القلعة السحرية , المسماة بالحوزة , الامر الذي ادى ويؤدي الى اضطراب في حركة السياسة العراقية وتاريخها بشكل مستمر . وهنا اصبحت الحوزة من مجرد انفار في غرفة , الى الوف من الطلبة , الذين هم مشحونين بنيران الانتفاضة الشعبانية التي قمعها حزب البعث .. فتحول حماس القتال الى حماس في الدراسة .. لكن .. هنا ايضا تم سحل عقلية القتال والشجار فتحولت الحوزات الى خنادق لللاقتتال .. فكانت الاحزاب تحرص على الطلاب الجيدين .. لاخدمة لعلم وانما من اجل تسويق معاركها الحزبية هنا او هناك . في هذا الخضم جائت شهرت عبدالجبار الرفاعي الثانية , فكونه قديم في الحوزة , باتت له اهمية ثانية الان تحت وطأة ان العلم والمعرفة سلاح ايضا .. وهنا تميز عبدالجبار الرفاعي بخصلتين زادة من شهرته واهميته حين ذاك : 1_ تنوع الدروس التي يزاولها , فهو كان يقوم بتدريس جميع علوم الحوزة (= ماعدا التفسير والاخلاق ) من علم المنطق وعلم الاصول وعلم الفقه وحتى الفلسفة . 2_ بساطة شرحه وسلاسة اسلوبه التعليمي ( وهي امور مهمة للغاية لطلاب العلم ). اذن كان هنالك منذ البداية حس نحو التنوع الثقافي والعلمي , فكان من الطبيعي والحالة هذه ان ينحدر الشيخ عبدالجبار الرفاعي نحو شلالات جديدة في مطالعة الكتب خصوصا وانه قد باتت لديه لغة اخرى الان (= الفارسيه ) .. ومثل كل بداية .. فان بداية عبدالجبار كان صعبة .. فاضطر بسبب العوز المادي ان يعمل مع المؤسسات الثقافية الايرانية وانخرط في عمل طويل مهلك , فاصدر عدة مجلدات ضخمة لها اهميتها الخاصة في الببليوغرافيا( وقد ساندته زوجته الكريمة خير مساندة في ذلك ) .. وفي حقيقة الامر ان هذا العمل المضني سيكون الرافد الاكبر والقاعدة الاوسع للرفاعي في الانتقال الى مزاولة الكتابة والبحوث الثقافية الجديدة لقضايا لم تكن الحوزة(= العراقية والايرانية ) وطلابها بمكترثين بل ولا دارين بها اصلا .... بهذا العمل بات الرفاعي موسوعة ومكتبة علمية متنوعة تمشي وتتحرك .. اذن الان باتت له شهرة ثالثه : شهرة كونه باحث وكاتب ثقافي وليس استاذ في الحوزة وله ماض في العمل الحزبي قديم. (4) في هذه المرحلة الجديدة كان الرفاعي يتميز بميزتين ايضا : 1_ سهولة المعشر والتواضع الغريب .. وهو (( غريب )) لكونه لايتوافق مع شهرته المتصاعدة , وعلاقاته المتكاثرة ... بعض الكتاب ما ان يصدر له قصيدة او ديوان او كراس حتى تجده ينتفخم باكبر من اي بالون في الدنيا .. لكن هذا الرجل .. كان يتطور من دون يتدخل هذا الامر سلبيا على حياته الداخلية .. وقد تفرع عن هذه الخاصية وخاصية سهولة شرحه في قاعة الدرس , ان يكون الرفاعي ملتقى للشباب المثقف هناك .. فكان منزله اشبه بندوة دائمية .. او قل انه تتميم لمهنته كمدرس ومربي لهذا الجيل الجديد. ولم يكن هولاء الشباب هم من اهل العراق فقط, وانما كانوا خليطا عجيبا من ايرانيين واردنيين ومغاربه وجزائريين وتونسيين وسوريين ولبنانيين ومصريين و .. و .. فكان في منزل الرفاعي يختلط الصغير بالكبير والمشهور بالمغمور .. وكل مع نقيضه .. حتى السياسيين منهم ... وهو امر يدل على رحابة صدر هذا الرجل بانه انسان حقيقة ولي مجرد حبر على ورق كما هي سجية بقية المثقفين ومرتزقة الكتابة . 2_ ان تطور عبدالجبار الثقافي والديني كان يسير من دون ان يبعده ذلك عن وطنيته بكونه (( عراقي )) .. وهي ميزة يعسر ان تجدها في تلك الفترة .. فالمثقف العلماني توجاته صوب الدول البعيده والمثقف الديني مرتبط بالدول القريبه. 3_ هذا التنوع في الثقافة وفي العلاقات خلق من عبدالجبار الرفاعي شخصية توازنات , فكان صديق الجميع بلا استثناء ولجميع الاطراف المتناقضه .. فحتى وكيل السيستاني في قم (( جواد الشهرستاني )) فان الرفاعي كان يحرص على اهدائه العدد الجديد من مجلته .. وكان يداريه. طبعا هذه المداراة من الرفاعي عادة على مشروعه الثقافي بفائدتين : 1_ سهولة النشر والتحرك في الطباعه. 2_ جلب العدد الاكبر من الكتاب والباحثين على اختلافهم. .. وعلى اساس هذه الخلفية جائت شهرت الرفاعي الرباعة بكونه صاحب مجلة فكرية متخصصة فظهر العدد الاول من مجلة (( قضايا اسلامية )) , والتي كان يحتل الشيخ مهدي العطار صفحتها الاولى بانه (( المشرف )) .. لكن اسمه جاء من اجل ارضاء الممولين الماليين من جهة ومن اجل حماية اكثر للمجلة من هجمات الخط الديني المتشدد .... ولكون المرتزقة بالكتابة بعدد الفطريات دوما .. لذا تصدى جواد علي الكسار , او خالد توفيق ( وهما اسمين لشخص واحد ) بان يتصدى للمشروع بدل الرفاعي حيث وجدها فرصة ذهبية للصعود ... المعركة احتدت خصوصا بعدما حققت المجلة ارباحا مادية لم تكن في الحسبان ... القضية باتت اسم على غلاف وكمية من الدولارات .. بينما كان الرفاعي مهتما بتدبل خطاب المثقف العربي والمسلم خارج الحدود الايرانية وكيف تغيرت لغة الكتابة وطبيعة المواضيع المطروحة .. عاف الرفاعي المجلة للعطار وجواد علي الكسار (او خالد توفيق ) .. فلم يصدر سوى عدد واحد ( ثلاث ارباعه قد كان الرفاعي اعده سلفا ) .. وانتهة (( قضايا اسلامية )) الى هنا .. (5) خرج الرفاعي من هذه المعركة سالما بفضل منهجه غير الصِدامي , فاخرج مجلة (( قضايا اسلامية معاصرة )) اعتمادا على مجهوده وامواله الخالصه فكانت (( قضايا اسلامية )) هي المبتدأ و (( المعاصرة )) هي الخبر .. وقد كان الاحتفاء بالمجلة الجديدة احتفاءا بالغا , بسبب جدة مواضيعها واختلاف المشاركين والمساهمين فيها .. لكن فيما سيكون المغاربة يحتضنونها بشكل حافل , فان المجلة مشرقيا كانت تواجه تعثرات عدة في النشر , والتي كان منها مصادرة وزارة الكويت لاحد اعدادها .. وهذا الاحتفاء المغاربي بهذه المجلة مرجعه الى اربعة عوامل اساسيه: 1_ انفتاح المغرب الكبير على القضايا المعاصرة بسبب قربه الجغرافي واللغوي من اوروبا. 2- تبني تونس المنهج الاوربي في التدريس. 3_ زيادة حاجة المواطنين المغاربه لمراجعة افكارهم على ضوء ازمتهم التي تفاقمت خصوصا بعد مذبحة الجزائر , وتمردات القبائل الامزيغية في المغرب. 4_ تجدد الخطاب النقدي في المغرب الكبير بفضل مساهمات محمد اركون ومحمد عابد الجابري , وطه عبدالرحمن وغيرهم. فقد كان واضحا ان التسعينات كانت تشهد ريادة المغربيين في الكتابة , بشكل لم يسبق له مثيل من قبل , في حين كان المشرقيين يسترون ارهاقهم السياسي وفراغهم الفكري بحشد الشعر والقصة وتكرار المواضيع الادبية البيانية , كغطاء لبطالتهم المقنعه . (6) تخلص الرفاعي من الكثير من المشاكل , لكن مجلة قضايا اسلامية معاصرة كانت تعاني اربعة امور : 1_ بسبب ان المشروع فردي من جهة , وكون الرفاعي خريج مؤسسة دينية , ولم يكن لديه ارتباطات بالفنانين والادباء , لذا ضلت المجلة تعاني من فقر كبير في الاخراج الفني والتصميم الشكلي , وهذه سمة بارزة في جميع الاصدارات التي خرجت على يد المنتمين للمؤسسة الدنية بدءا من مجلة اضواء التي صدرت ايام محسن الحكيم وحتى آخر المجلات والدوريات الصادرة اليوم . 2_ ظلت مجلة قضايا اسلامية معاصرة تعاني من ضغط الصداقات .. فمنهج المداراة للرفاعي كما كان عنصر ايجابي في كفاية شر الاخرين , الا انه عنصر سلبي ظل يثقل المجلة بسماهمات لاتليق ومشروع المجلة ومستواها , وهو امر يتجلى لك اكثر في هذا التناقض الفاضح بين مجلة قاضيا اسلامية معاصرة , وبين الكتيب والكراس الصادر منها ... فالشيخ يداري اصداقئه واعدائه بطبع هذه الشخبطات التي تتناقض مع المستوى العلمي للمجلة , ومع الهدف الاساسي منها ايضا . 3_ بما ان المجلة كانت تصدر في ايران , لذا كان من الطبيعي ان يحاول البعض الالتفاف عليها ومحاولة اخراجها بزي ايراني يجعلها قناة اعلامية جديدة لايران , هذا فضلا عن انشغال المجلة بجملة ابحاث وكتاب لاقيمة لها ولهم تنسجم مع توجهات المجلة ومشروعها . 4_ الامر الرابع الذي يثقل من تحرك مسيرة المجلة هو الرفاعي نفسه .. فهو رجل له تاريخ طويل في العمل الحزبي .. وهو رجل له ماض طويل في الانتماء للفكر الديني القديم , لذا يصعب عليه مهما حاول ان يختلف مع الفكر الديني فيصدر ابحاث لمثقفين ينتقدون الدين من اصل ... اي ان الرفاعي يحرص على ان يكون الاصلاح هو اصلاح ديني دوما .. وهذه القبلية مع الاسف هي بيت القصيدة في ازمة قضايانا المعاصرة .. فعلى اي اساس لايكون المصلح الا دينيا .. ولايتأتى التجديد الفكري الا من رجالات الدين ؟! ... ان هذه المـأزقية لاتوضح مجلة قضايا اسلامية معاصرة فقط , وانما توضح البنية الذهنية لعبد الجبار الرفاعي , لذا فمن الطبيعي ان تجده يقول مثلا : (( ان تأصيل الموقف الفلسفي هي السمة التي طبعت آثار هولاء المبدعين [= بعض من رجالات الحوزة ] وهي سمة قد لانعثر عليها في غير آثار المصلحين من علماء الدين الذين تخرجوا من الحوزة ص5 , من كتاب الرفاعي : تطورالدرس الفلسفي في الحوزة )) .. وهي مقولة كغيرها من الاقوال التي تحاول ان توحد الفكر والعبقرية والاصلاح وتجمعها في عبائة وعمامة رجال الدين .. وهو امر لادليل عليه بل الدليل قائم على خلافه .. وكي لاننساق لاثبات هذا المدعى في ورقة ليست مناسبة هنا , اكتفي بالقول : ان الرفاعي بحاجة الى اعادة نظر في بنيته الذهنية كي ينفتح على مجال ارحب من المثقفين والكتاب , كي تكون مجلته ومشروعه اكثر عاطاءا واكثر جدية في اثراء الخطاب النقدي ..وهو قادر على ذلك بالتاكيد . (7) الا انه يجب هنا تنبيه الرجل على عدة امور كي يكون كلامنا خبريا مفيدا وليس مدحا وانشائا , وهنا عدة امور ارى من الضروري لشخينا عبدالجبار الوقوف عندها : 1_ ضرورة ان يتنبه الرفاعي الى انه قد دخل في مرحلة جديدة يحسن له فيها ترك تملقات الاصدقاء وترضيات فلان وفلان على حساب النشر في المجلة وكراسها . وان كان له في السابق من يبرر له ذلك , فهو اليوم في وسط بغداد تحتظنه المؤسسات وليس بحاجة الى احد من انصاف المثقفين هولاء . 2_ اعطاء فرصة اكبر للمثقفين والاختصاصين العراقيين خصوصا الذين تم عدم التعامل معهم سابقا كما هو حال المثقفين العراقيين داخل العراق , والمثقفين الشيوعيين , فالرفاعي اليوم قد خرج نهائيا من ربقة حزب الدعوه ولايصح له هذا الابتعاد . 3_ اعطاء المجلة دفعة اكبر للانفتاح الكتاب العلمانيين خصوصا الذين لهم مساهماتهم في علوم ((الاناسة)) والعلوم التطبيقية . 4_ اعتقد ان الشيخ الرفاعي قدرته المالية قد توسعت , لذا فهو يستطيع التعامل مع مترجمين يثرون اعداد خاصة حول آخر الطروحات للمفكرين الاجانب ( = الالمان والامريكيين والفرنسيين خصوصا ). 5_ اعتقد انه الان قريب من عدة كوادر فنية قادرة على مساعدته على اخراج حلة غلاف وتصميم جديد يليق بهذه المهمة. 6_ ضرورة وجود موقع للمجلة على شبكة الانترنيت , واذا كان الشيخ الرفاعي يفكر بان هذا يقلل مبيعات المجلة ورقيا ويؤثر على الارباح , يستطيع ان ينشر بعض من ابحاث العدد الجديد وهذا سيكون داعية تجلب مشترين اكثر , كما انه يستطيع نشر الاعداد القدمية . 7_ بما ان المجلة عراقية لذا لايصح اهمال الفكر البياني , فالشعر والادب مشكلة حقيقة في العراق لذا يجب تخصيص اكثر من عدد لذلك وبالتاكيد ان هذه الاعداد سوف تكون لها اهمية خاصة وستكون بحاجة الى طبع كمية اضافية منها , وهذا له مردود مالي وعلمي مزدوج يدفع المجلة الى فضاء اوسع . 8_ بما انها قضايا معاصرة , لذا يجب جريان مقاربه اعمق مع مشكلات الراهن العراقي ليس الفكري التراثي وانما الاجتماعي والسياسي ايضا. 9_ بما ان المجلة عادة الى العراق , لذا من الضروري اصدار ملف عن (( الفكر الديني في العراق )) بالانفتاح الى مشكلة الدين الواحد الخاتمي ووجود قوميات واديان مختلفة في العراق , واعتقد ان حاجتنا الى هذا الملف لازالت تتضاعف في ظل الازمة العراقية الراهنه والقادمه. 10_ بما ان الامر ثقافي فيجب تخصيص اعداد لمثقفين آخرين بمثل ماتم لباقر الصدر .. مثل المفكر العراقي :هادي العلوي و المفكر السوداني :ابو القاسم حاج حمد ,وغيرهم , ممن لهم اسهام خاص في نقد وتطوير الفكر الديني . (8) اعتقد انه اذا اردنا ان نحتفي باحد ونكرمه من المثقفين فان هنالك ثلاثة لااقل يستحقون هذا التكريم : 1_ كنعان مكيه , لماقام به من عمل انساني وثائقي هام . 2_ عبدالجبار الرفاعي , لما قدمه من مشروع ثقافي جاد ومنفتح. 3_ مظفر النواب , لصوته الشعري العراقي الخالص. وانا اذ اقول ذلك رغم اني اختلف مع الرجل (= لم يوجد اتصال بيننا غير مرة واحدة منذ سفري الاخير قبل ثلاث سنوات ) , اليوم باكثر مماكنتُ في السابق .. لكنه اعتراف بحق من الحقوق التي لايسعنا الا تقديم الشكر والامتنان لها .. انه تنبيه على رجل مهم ومثقف حقيقي , يستحق الاهتمام بدل حشود المهرجين بالقلم والعمامة هولاء ... عبدالجبار الرفاعي درس عملي بمكانية الالتقاء وامكانية اجراء عمل مشترك بين طافة الاطياف والاطراف , وهو رجل مهم : 1_ لما يتمتع به الرجل من قدرة على اقامة علاقات مع مثقفي الداخل والخارج , والوطني والعربي والاجنبي. 2_ والرجل مهم لمقدرته على كسب الشباب وتوعيتهم , وعلى مثله تقع مسؤولية استنقاظ الشباب من عصابات العمامة سواء الوهابيين منهم او الطفيلين من امثال مقتدى ومن هم على شاكلته .. وبكل تأكيد ان الشارع العراقي متلهف لسماع صوت العلم والحكمة النقية , بعيدا عن قرود المنبر الديني , وضباع المنصات السياسية .. فليست المعاصرة هي بحوث نخبوية لايفهم مصلحاتها سوى القلة , وانما هي اولا النزول الى الشارع وحماية الناس من قطاع الطريق هولاء ... ولا اعتقد ان وطنية الرفاعي واسلاميته وعراقيته تسمح له ان يترك الناس لهولاء الممسوخين الذين لايملكون سوى خصية ابائهم يتزعمون بها الناس .... خصوصا وان الشيخ الرفاعي يؤمن بضرورية ان يكون المثقف احتماعيا (= راجع المقدمة التي كتبها الرفاعي لكتاب محمد باقر الصدر : موجز في اصول الدين ) .. وعليه فالبحوث النخبوية غير كافية في عمل المثقف. ... بعد ايام سوف يجري مهرجان المربد الكبير وقد تم استدعاء جملة من المثقفين (= مع الاسف غاب عنه اهم الكتاب المشتغلين على الفكر النقدي ) وارجو ان يكون هذا اجتماع والتقاء بين المثقفين العراقيين انفسهم يتعاونون فيها على اجراء منصة ثقافية تزاحم منبر الفقيه والسياسي .. وان يكون لقاء بين المثقفين العراقيين والعرب , يعيدون فيه بيان المثقف العربي ضد عمليات الارهاب وماتعرض له العراق من مذابح وكيف صفقة لها اقلام عربية بامتياز ... ان اهم قضية معاصرة اليوم هي : كيف نخلق خطاب ثقافي جديد ؟! .. فالمثقف العربي كان دوما هو الوجه الاخر للحاكم .. او فلنقل ان قضيتنا الاساسية اليوم : كيف نحول الثقافة ( والمسجد والجامعة والسياسة ) من كهف تعشعش فيه الخفافيش الى حديقة للعصافير؟! .. بلا شك ان نطرد الخفافيش والضباع لايكون الا باشعال المصابيح. كتابات - عبداللطيف الحرز |