عبد الجبار الرفاعي: مشروع حضاري – إنساني ...

كرار الرفاعي

يشير عالم الاجتماع يوسف باسيل شلحت في مقدمة كتابه (مدخل إلى علم اجتماع الإسلام من الأرواحية إلى الشمولية ) إلى أن المصلح لا يمكنه إنشاء شيء من لا شيء فالإصلاح يتكون ويترصن عادة من عناصر قديمة وفقا للطرائق الكلاسيكية في التمثل او التضفية في التوليف والتضاد. توافقيا مع شلحت في تحليله – دون الإشارة إلى أي مدى يمكن الاتفاق معه – نجد إن المصلح يجب أن يكون عارفا بجوهر المنظومة القيمية الفكرية من جهة والى إسقاطات وتراكمات التاريخ و البيئة و النفس و اللغة على هذه المنظومة من جهة أخرى قبل إصلاحها.
كما لا يمكن تجاهل قبليات المصلح أو لاوعيه (اللاشعور) المؤثر ضروريا بعملية الإصلاح الذي ينشدها فالحركة الوهابية والسلفية وغيرها من التيارات قصدت الإصلاح لكنها جاءت بفكر تعسفي يؤمن بإقصاء الآخر وحتى إبادته فصادرت الحاضر للماضي وأسقطت مشاكل الماضي على الحاضر فحولت النفسية الإسلامية إلى فوبيا داخل المحيط الاجتماعي.
لذا فما نتطلع إليه هو مشروع إنساني ينشد الخير للشعوب يطهر الدين من الكراهية ويجتثها .
مشروع يدعو إلى الحرية وحقوق الإنسان وإرساء قيم الاختلاف وقبول الآخر والتعددية والتسامح .
مشروع يشيع ثقافة التعايش بدل التكاره ، يتبنى رؤى ومفاهيم تواكب العصر.
مشروع ينفتح على المكاسب الراهنة للعلوم ، ويعطي للعقل مكانته وإطلاق فاعليته .
باختصار مشروع بناء مجتمع مدني تعددي تسود حياته قيم التسامح والعيش المشترك .
لكن المدرسة التشاؤمية ترى إن مشروعا مثل الذي ننشده هو يوتوبيا كجمهورية أفلاطون ومدينة الفارابي. وهذا التشاؤم ناتج كما أتصور عن الحياة المأساوية التي عاشها المسلم نتيجة الحروب التي أخذت أكثرها صيغة الدفاع عن المقدس والذود عن شعب الله المختار والفرقة الناجية وغيرها من المفاهيم التي يجب أن تعاد قراءتها ابستملوجيا . كذلك حصول أزمة ثقه لديه في العديد من القيادات السياسية ومدى قابلية النخبة الفكرية على تأسيس هكذا مشروع .
لذا يرى الباحثون في مجال التغيير إلى إن ضخامة أي مشروع – ديني ، سياسي ، اقتصادي ، فكري - تتناسب طرديا مع القابلية الاستثنائية التي يتمتع بها صاحب المشروع أو عظمته على حد تعبير المفكر المصري سلامه موسى .
فما القابلية التي يتمتع بها عبد الجبار الرفاعي لـتأسيس المشروع الحضاري - الإنساني ؟
يشير المفكر العراقي غالب حسن الشابندر في مقالته (الرفاعي رجل ومشروع) الى تلك القابلية الاستثنائية فهو يرى: إن الرفاعي عصامي بالدرجة الأولى ، مناضل ومتحد ، خالق أفكار وصانع جيل من رواد الفكر وقادة الرأي ، سخر طاقات المفكرين والسياسيين أمثال الدكتور عادل عبد المهدي والدكتور عبد الوهاب المسيري وطه جابر العلواني وغيرهم من اجل صنع فضاء ثقافي عالمي خلاق .
شخصية ثقافية متطورة ومتجددة ، موسوعي ، عرف شرق العالم الإسلامي بغربه ، اخرج المحرومين والمنبوذين والمحاربين إلى النور كي يساهموا في بناء ثورته الفكرية الرائعة ، وأخيرا وليس آخرا مغرم بحب الإنسان .
صفة التمييز بين جوهر المنظومة القيمية الفكرية (الدين) وبين ما أسميناه التراكم الكمي على تلك المنظومة (التراكم الكمي على الدين ) أهم ما يميز الرفاعي عن العديد من أصحاب المشاريع الإصلاحية كونه أعاد صياغة بنية العلوم الفكرية التي اشتغل درسا وتدريسا بها لأكثر من ثلاث عقود خلت .
فهو لا ينفي التعصب والعدوانية والاستغلال من الاجتماع البشري بل يراها مترسخة عبر التاريخ, كما يؤمن بأن عنف الإنسان ضد أخيه الإنسان هو سلوك بيولوجي, وسياسي, واجتماعي, وثقافي, وديني مزمن في الاجتماع البشري. وهذا العنف يهددنا ويلاحقنا حيثما كنا في بلادنا. لكن حصول ذلك باسم المقدس مأساة كبرى حلت بالبشرية وشوهت رسالة الأديان ومقاصدها الكلية على إشاعة السلم والتراحم والمحبة بين الناس, و تجفيف منابع العنف والعدوانية والتعصب . ولكن طالما تم طمس هذه الرسالة ونقض تلك المقاصد, بنشوء جماعات وفرق، لا تقتصر على إعلان انتمائها للدين فحسب, وإنما تصر على احتكار تمثيله, وتحرص على مخاصمة أية جماعة غيرها تقدم فهما مختلفا للدين . فقد رحلت وظيفة الدين المتمثلة في إعطاء الحياة أبعادا رمزية ومعنوية تجعلها أكثر إشراقا وجمالا إلى وظيفة أيديولوجية ساهمت في فتيل الحروب والنزاعات والصدامات التي دفع فاتورتها الأبرياء . نتيجة ( تمأسس الدين) أي تحوليه إلى مؤسسة، كالمؤسسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها ، فهذه المؤسسات ترتبط عضويا بكل ما يعيشه المجتمع من مصالح وملابسات وتناقضات في الايديولوجية، ومعبرة عن هذا التناقض، فيوظف نتيجة تمأسسه في تلك النزاعات والصدامات بين هذه المؤسسات .
بعد التنقيب والتحليل في المعارف الإسلامية ومصادرها لأكثر من ثلاثين عاما يصل -الرفاعي - إلى أن القرءآت الفاشية والصحراوية التي تعاملت مع النص بصورة تعسفية هي التي مثلت الدين تمثيلا سلبيا في الاجتماع البشري فأنزلت الى المجتمع دينا مشبع بالأكراهات، مفرغ من كل محتوى عقلاني ، اختزلته في مقولات وشعارات مغلقة حولت الدين الى إعصار يبدد كل مسعى إنساني بناء ، ويحطم الكثير من معطيات الحياة البشرية ومكاسبها الرائعة عبر التاريخ، ويعطل دينامكية التطور في المجتمع .
من هنا يسعى المشروع لإنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، بالإعلان عن أبعاده المعنوية والعقلانية والجمالية والرمزية، والإيمان بأن الإنسان كائن متدين، وان اختلفت تجليات التدين ، وتباينت التعبيرات الدينية في حياته، تبعا لتنوع البشر واختلافهم. والتأكيد على ان الحياة لا تطاق من دون خبرات وتجارب دينية، ذلك أن نزعة التدين تمثل ظمأ انطولوجيا لا يروى، الا من خلال التواصل مع المطلق. ويمكن ان تظل تلك الخبرات والتجارب على الدوام منبع الهام التراحم والمحبة والجمال في العالم. وليس بوسعنا بناء بلادنا الا بإشاعة فهم عقلاني متسامح للدين، يبعث الأبعاد التنزيهية العميقة في جوهره، ويعمم صورته الإنسانية ، تلك الصورة المغايرة لما تريده الجماعات التي تعمل على تقديم صورة متوحشة زائفة للدين.
إن التحرر من كل ذلك يحتاج الى تفكير حر ، ففي مجتمعاتنا وللأسف الشديد قلما تجد إنسان يعمل على فهمه الخاص فالعقل عندنا في إجازة. و لذا فيرى الرفاعي ان النقد بوابة كل إبداع واهم أداة يعتمدها العقل البشري في التطور في مختلف المجالات، ومصدر التطور الفكري والاجتماعي، وأساس كل تقدم، وشريان تحديث كل شئ وتجديده، فلا حياة دون تفكير نقدي، ومن اجل ان ندخل مجتمعاتنا إلى عصر جديد يجب ان نفكر بحرية، ولا سبيل للخلاص والإفلات من نفق الانحطاط والتخلف الا بتجذير ملكة النقد وتكريسها.
كما انه بالرغم من ان الرفاعي مناهضا للاستعمار ولكل شكل من أشكال الامبريالية إلا انه لا يريد أن يتحول ذلك الى عقدة، تكمن في عدم القدرة على التعاطي مع العلم والمعرفة والمكاسب والمنجزات الحديثة بشكل حر، فمشروعه يسعى لتخليص اللاوعي الجمعي لمجتمعنا من تلك العقدة كي لا تكون رصيدا تعبث به وتستغله الجماعات السلفية والأصولية والقومية وكافة الاتجاهات والتيارات الأيدلوجية التي كرست حالة الانحطاط والتخلف من خلال خديعة الناس بهوامات وغوايات مصطنعة، عطلتهم عن بناء بلادهم والمساهمة في تنميتها وتطويرها. وما شعارات صدام وخطبه الا نموذج بارز لهذه الحالة .فهناك العديد من البلدان حاربت الاستعمار لكنها استفادت من كل علم ومنجز تكنولوجي ولم تشتغل بإعادة إنتاج الكراهية للمجتمات الغربية .
مشروع كهذا يتخطى لاهوت القرون الوسطى الذي أعطى صورة نمطية للإله، تشكلت في سباق الصراعات الدموية والفتن والحروب بين العديد من المذاهب والفرق، لاهوت استدعى القيم الرديئة للبداوة - التي رفضها القرآن ونعتها بتسميات قدحيه – ووظفها ذلك الفهم المنغلق بحجة الدفاع عن الهوية والأصالة.

موقع الرفاعي نت- السبت 27 /2/ 2010