الحركة والصيرورة هي الناموس الأجلى في الحياة...

كرار الرفاعي
كنت متشوقا للقائه، لما لمست في أفكاره من تجديد وإصلاح، يمكن وصفه ب(الثورة الإصلاحية) آخذة على عاتقها إعادة بينة التفكير الديني وصياغة مفاهيمه، لإرواء ظمأ تساؤلات المسلم المعاصر.
تلك التساؤلات التي ظلت حبيسة الصدور، خوفا من سلاح الفتوى المقدسة من تفسيق وتكفير، ساعية - الثورة - الى تقويم القراءات الصحراوية السائدة للشريعة السمحاء، بعد ان خلصت التفكير النقدي من الأسر وأطلقت له العنان من اجل ترسيخ العقلانية في الدين .
فكان الحوار الاول الذي دار بيننا – مجموعة من الشباب – وبين الدكتور عبد الجبار الرفاعي إزاء القضية العراقية والدين والأحزاب والمؤسسات الدينية آنذاك ذا أهمية في تبادل وجهات النظر مع مفكر إسلامي متصد لطرح مشروع فكري جديد من رحم النظرية الإسلامية . فقال كلمة - كانت بمثابة نبوءة للسلوك الديني في العراق: (هذا النمط من التعامل مع الفكر الديني سيصاب بشيء من الفتور في المستقبل، وسيظهر شباب من خارج المؤسسة الدينية هم الذين يحملون القضية الإسلامية على عاتقهم). فظننت انه أشار الى مفهوم المثقف الديني وأهمية وجوده في الشارع العراقي، فتناول كتاب (التشيع العلوي والتشيع الصفوي) للمرحوم شريعتي فقدم الكتاب للحاضرين قائلا: (انا انصح الشباب بالاطلاع على مؤلفات المرحوم الدكتور شريعتي ). عندها تحول ظني الى يقين: من ان عبد الجبار الرفاعي قصد من كلامه (أهمية دور المثقف الديني في العراق). والمثقف الديني كما يعرفه الباحث العراقي عادل رؤوف في كتابه (عراق بلا قيادة ): هو الشخص الذي يحمل فكرا وثقافة ذات هوية إسلامية له قراءاته الخاصة للدين لا القراءات الوراثية او القراءات المؤسساتية والقادر على انتاج إبداع فكري يمكن ان يتحول هذا الإبداع الى تيار او ظاهرة فكرية تأخذ طريقها في الجدل السياسي والاجتماعي.
لمحت إشارات في حديثه ومؤلفاته التي طالعتها بعد لقائي الأول به ولم تتبين لي - هذه الإشارات - الا بعد لقائي الثاني في 16/ 7 / 2004م هي بان الشيخ عبد الجبار الرفاعي ينحى منحى المفكر السوري (جودت سعيد ) ان لم اقل شريكه في التأسيس لمنهج جديد في القراءة الدينية تتجاوز القراءات الاحادية - التعسفية للنصوص التي (حولت هذا الدين الى إعصار يبدد كل مسعى إنساني بنّاء، ويحطم الكثير من معطيات الحياة البشرية ومكاسبها الرائعة عبر التاريخ ، منهج يرى أن: (الإنسان كائن متدين، وان اختلفت تجليات التدين، وتباينت التعبيرات الدينية في حياته، تبعا لتنوع البشر واختلافهم).
ان المتبني لرؤية مفادها (التدين هو إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، وإيجاد حالة من التوازن والانسجام بين متطلبات جسده من حيث هو كائن بشري، وإمكانية غرس وتنمية روح التصالح مع العالم، والتناغم مع ايقاع الكون، وتكريس حالة الانتماء للوجود، والتعاطف مع كافة الكائنات الحية والشفقة عليها، وتعزيز أخلاقية المحبة، وتدريب المشاعر والأحاسيس والعواطف على القيم النبيلة، والسعي لاكتشاف روافد ومنابع الهام الطاقة الحيوية الايجابية في هذا العالم، والتواصل العضوي معها ) والداعي الى تطبيق تلك الرؤية نجده حقا مطبقا لها في نفسه وسلوكه، وليس كالمتحذلق لفظيا في حب الإنسان وهو ينجس قوما ويكفر آخرين مستبيحا دماءهم ومستخفا بوجودهم الإنساني. فعبد الجبار الرفاعي - الإسلامي المستنير – نجده يصف المرحوم كامل شياع - الماركسي – قائلا:(كنت أحسب ان نموذج الإنسان الذي ينشده ابن عربي في (فصوص الحِكَم ) وجلال الدين الرومي في (المثنوي) هو نموذج مثالي متعال على الزمان والمكان، غير بشري، حتى عاشرت كاملا – يقصد كامل شياع - فعثرت على الكثير من خصائص الإنسان لديه. انظر: كامل شياع متصوف خارج الأديان . وعند تشرفي بلقائه يوم 7 / 1 / 2010. سألته عن الاختلاف بين رؤاه السابقة وبين رؤاه الحالية . فحدثني عن الفيلسوف (فتجينشتاين ) الذي صار يعرف بين دارسيه بفتجينشتاين الأول وفتجينشتاين الثاني، وهو في الحقيقة فتجينشتاين واحد! لكن اختلاف الرؤية الأولى عن الثانية لفتجينشتاين هو سبب التمميز بين الرؤيتين . وقد كتب في مقدمة كتابه (مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد) :(ان الحركة او الصيرورة هي الناموس الاجلى في الحياة وهي تعبير وجودي عن إصغاء الإنسان لإيقاع التحولات والمتغيرات العظمى في الواقع) . لذا أشير الى من يريد الاطلاع على رؤية المفكر الإسلامي الدكتور عبد الجبار الرفاعي فليراجع كتابه (مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد) فهذا الكتاب يمثل ملامح نمط التفكير الذي يسعى لإعلانه أو على شبكة الانترنيت موقع مركز دراسات فلسفة الدين (الرؤية والتطلعات).

موقع الرفاعي نت- الثلاثاء 26 /1/ 2010