|
|||||
|
|
مصلحون عراقيون منسيون
مصطفى الكاظمي
يتقن الشرقيون لعبة اخفاء الكبار .. تناسيهم وتجاهلهم وتحييد طروحاتهم حتى عندما يكون استحضارهم مهمة مصيرية لتكريس الوعي الثقافي لشعوبهم.فتذكر الكبار المؤثرين وربما لانقفز
على المفاهيم حين نقاربهم بمصطلح "عقول الظل" .. ليس حدثا اختياريا ومن المؤكد انه لايعنى فقط بالسلوك الاعتباري على مستوى الذاكرة الجمعية بل هو في واقع الحال حدث يتعلق بصيرورة الحياة، وعملية الخلق المتجددة. رجال علم وعمائم ليبرالية وفلاسفة ومثقفون امدوا حياتنا بنسائم استمراريتها، لكن الظروف، زجت ببعضهم قسراً في لعبة الاخفاء المؤلمة. في نطاق المقاربة الحضارية فان الحضارات الغربية اجمالاً لاتخصص مساحة واسعة في وعيها الجمعي لمبدعيها وروادها فقط بل تضيف في الوصف والتفصيل لأعمالهم على العكس من نزعتنا العجيبة نحو التجاهل والإهمال. السيد مهدي الحكيم وطه جابر العلواني وعبد الجبار الرفاعي وكنعان مكية وعادل عبد المهدي وسواهم رموز معرفية اثرت الفكر السياسي والديني والاجتماعي والثقافي في العراق وهي في جوهرها تشكل منارات لما تراكم عليها من تفاعلات حديثة في خضم البحث عن اجابات شافية، ومن أجل تقديم عطاء جديد يخدم الفكر والانسان. وعلى الرغم من ان احد هذه الاسماء له اليوم دور سياسي فاعل في العراق، الا ان عادل عبد المهدي السياسي في السلطة التنفيذية يقف في ظله عبد المهدي المفكر. في عقدي الخمسينات والستينات من القرن المنطوي شهدت الساحة انتشاراً سريعاً وغير مسبوق للافكار الشيوعية والقومية بتيارات واتجاهات مختلفة وكان الاتجاه الديني رد الفعل الطبيعي لوقف هذا الزحف الفكري الذي لم يكن بمقدوره اصلاً الاستمرار بحكم التناقض المباشر مع البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي كانت سائدة في المجتمع العراقي انذاك. هنا بالتحديد ظهرت الاسماء الكبيرة التي تحملت مسؤولية الحفاظ على الانتماء الاصيل للمجتمع وتحولت بالممارسة المباشرة الى الاصلاح بمبتغاه الاجتماعي والثقافي والسياسي، متصدين لمسؤولية الانقاذ في مواجهة صراع ارادات مبني على مصالح شخصية ضيقة. برز السيد مهدي الحكيم في تلك المرحلة المعقدة بفكر نير وقلب مفتوح فأستحق ما اطلق عليه من لقب مكاريوس العراق لدوره في التعريف بمظلومية العراقيين مرة ودعوته الى اسلام انساني متكامل مع الاخر ومهما كان هذا الاخر وتشهد على ذلك ساحة دبي ولندن حينما كان يحضر الشهيد مهدي الحكيم نشاطات المسيح والهندوس والبوذيين، ويروي السياسي والمنسي الاخر سعد صالح جبر رفيق درب الحكيم، كيف ينتظر رؤساء الطوائف في لندن في بيت سعد صالح جبر، مهدي الحكيم بلباسه الصوفي البسيط، ليستمعوا رؤساء الطوائف برؤية الحكيم المتسامحةحول الاسلام والاخر، بعد ان رأوا اسلاماً اخر، واغنى الحكيم الفكر الحر المعاصر بطروحات راقية ومتطورة ما دفع الى اغتياله اثناء حضوره المؤتمر القومي الاسلامي في السودان بدعوة من الشخصية السياسية الفكرية السودانية المعروفة حسن الترابي، فكان هذا الاغتيال اعترافاً بعجز البعث عن مجاراة مشروع الاصلاح الوطني الحر البعيد عن التعصب. وفي مرحلة الانتشار الفكري الافقي ذاتها اطل الفقيه طه جابر العلواني رجل الدين الذي اثرى الفقه الاسلامي الديموقراطي من خلال جهده ومنجزه المعرفي في ماليزيا وفي الولايات المتحدة حينما كان يدير اهم المراكز الاسلامية المعهد العالمي للفكر الاسلامي.عبر مشروع، المنهجية في الفكر والاستدلال، لأنّ مراجعة التراث والتجديد ينبغي أن يكونا أولاً في منهجية التفكير والاستدلال. وبالخصوص ان الامة تعاني حسب تعبير العلوني من منهجية سائدة في كثير من الدراسات غير الجادّة، وعلى وجه الخصوص الدراسات الموجهة، التي تستند إلى فكرة مسبقة يراد ترويجها ضد الاخر. وضمن ذات المسار الإصلاحي الوطني ظهر ابن جنوب العراق الداعية والمفكر عبد الجبار الرفاعي الذي تنقل بين الحوزة العلمية والكويت ودمشق وعواصم واماكن اخرى ينشر فكره الحر النير عبر اصدارات هائلة من اهمها( مجلة قضايا اسلامية معاصرة، سلسلة كتاب فلاسفة الدين وعلم الكلام الجديد، سلسلة كتاب فلسفة وتصوف، وسلسلة كتاب افاق التجديد وسواها) وكان هدف الاصلاح هو كل ما يصبوا اليه من كل هذه المشاريع لتصحيح مفهوم الدين حيث يقول الرفاعي "لا سبيل الى جني معطيات النزعة الانسانية في الدين، الا بالخلاص من التفسيرات المتعسفة القمعية للنصوص، وتخطي المفاهيم والمقولات النمطية المغلقة في اللاهوت الكلاسيكي. وانما يتحقق ذلك بفتح باب الاجتهاد في علم الكلام، وتحديث التفكير اللاهوتي، ومحاولة بناء لاهوت عقلاني مستنير". ثم تطور المنحى النقدي عند الرفاعي الى نقد النظام التعليمي في الحوزة العلمية منذ 1986 حتى 1989، وهو ما حاز على جانب من اهتمامه سواء في كتابه "تطور الدرس الفلسفي في الحوزة العلمية، الصادر في العام 2000، ام في اطروحته للدكتوراه والموسومة " تحديث الدرس الكلامي والفلسفي في الحوزة العلمية،2005، والتي ناهزت صفحاتها الألف، وحازت على الجائزة الاولى للشهيدين الصدرين صيف 2009، والتي نظمها مكتب الشهيد الصدر في قم. المنسي الاخر المثقف كنعان مكية كان من بين المصلحين المهمومين بتشذيب الذاكرة العراقية والعالمية مما علق بها تمهيدا للانطلاق الى افق التسامح الثقافي. مكية الذي وضع كتاب القسوة والصمت والنصب التذكارية والصخرة وكتابه الشهير "جمهورية الخوف" بعد ان ترجم بروعته وضخامته وصدق انتمائه الديمقراطي الحر الى 17 لغة عالمية، لم يترجم الى اللغة العربية الى الان، ولكن قد يحاجج البعض ان جمهورية الخوف قد ترجم الى العربية عبر نسختها الصادرة عن دار الزهراء او دار مدبولي في القاهرة، الحقيقة ان هذه النسخة ليست ترجمة حقيقية لسفر مكية في جمهورية الخوف وانما مقاطع مشوهة ترجمتها احدى مخابرات دول الجوار العراقي للانتقام من ثقافة كنعان مكية وتشويه معاناة العراقيين تحت دكتاتورية صدام حسين، اعتبر كنعان مكية رائداً من رواد حقوق الانسان ليس في العراق فحسب بل على المستوى العالمي. والرجل الذي اختار جبهة الدفاع عن مستقبل عراقي اكثر تسامحا واقل صداما عبر ميثاقه الشهير ميثاق 91 تيمماً بانتفاضة العراقيين عام 1991 ضد الظلم والطغيان واشد تكريساً لمفهوم المواطنة والتصالح مع الذات ومن ثم مشروع الذاكرة العراقية الذي بدأ يحتضر بسبب هذا النسيان، استمر مكية يراقب المشهد العراقي بكل تجلياته وانكساراته، فكان صمته مابعد عام 2003 موردا حيا لقياس موقف المفكر كمسؤول عن صوغ الوعي الجماعي في لحظة النكسة الاجتماعية، لم يكن مترددا في تشخيص الخلل على المستوى السياسي مع تغير المراحل، لكنه بالتاكيد كان وفيا لمصداقية رجل التاريخ، لا ازدواجية رجل المراحل. اما عادل عبد المهدي فان مشروعه الفكري كان قد تأسس بعد مخاضات مع الفكر القومي والماركسي والاسلامي في بداية شبابه في الخمسينات والستينات ليستقر منذ منتصف الستينات على محاولة ايجاد معادلة متوازنة قادرة على تقديم اجابات عصرية لمرحلة عراقية معقدة تقف عشرات القوى والتيارات السياسية عاجزة عن التعامل معها يساعده في ذلك عمقه الاقتصادي الاكاديمي مرة او عمقه الفلسفي عبر وضعه بصمات جلية في الوعي الثقافي العراقي المعاصر وحتى العالمي عبر مشروع مجلة المنتقى بلغاتها الثلاث والتي كان يصدرها عبد المهدي في باريس لأكثر من عقدين ثم مجلة ينابيع الحكمة بالفرنسية (The Mind Spring) وكانت مجلة المنتقى تذكرنا بالعروة الوثقى التي كان يصدرها جمال الدين الافغاني في باريس ايضا ايام هجرته الى هناك. وربما سيطول الوقت قبل ان يتم تذكر عبد المهدي مفكرا وفاعلا في الوعي المعاصر وليس سياسيا فقط. ان محاولة استعراض هذه الرموز التي ربما يدرج معظمها تحت وصف "العمائم الليبرالية" و"المصلحين الاجتماعيين" و"المفكرين المهمومين بالاخر"، لم تكن غايتها استذكار الاسم بعيدا عن المعنى، والمعنى في هذا الطرح ان العمامة التي بدت حيناً موغلة في عزلتها الزمانية، او مندفعة نحو "التراتيبية" السياسية حينا اخر، انما تقف في ظل حضورها الطاغي اليوم تجارب مغايرة تفرض نفسها كحلول فكرية مقترحة لازمات الهوية والغاية والرؤية التي تشوب قفزاتنا العراقية المضطربة. قد نوصف باننا من سلالة امة لاتجيد احترام رموزها، لكن الضرورة قد تكسر هذا الاعتياد، والضرورة لاتعنى بمحاولة نبش الطروحات الفكرية وتعديل آليات اخفاء الرموز فقط، بل تتعدى الى تحديد الاسئلة العراقية قبل الاجابة عنها. وليس من باب الصدفة ان التاريخ العراقي المعاصر حافل بعشرات من الرموز الفكرية والسياسية التي تصدت للاجابة، والعودة الى تلك الاجابات ليس سلوكا "نكوصيا" بقدر ما هو في حيزه الفكري عودة الى البحث عن "المنافذ". مصطفى الكاظمي/كاتب وسياسي عراقي ورئيس تحرير مجلة الاسبوعية صحيفة المدى - الاثنين: 01- 03- 2010 - العدد: 1332 |